تمرّد داخل “أحرار الشام” ضدّ حلفاء أنقرة
عبد الله سليمان علي
ما تشهده حركة “أحرار الشام” منذ أيام، من تمرد وانقسام بسبب الخلافات على تعيينات جديدة، ليس سوى فصل جديد من فصول الأزمة البنيوية التي رافقت الحركة منذ اغتيال قادتها الجماعي عام 2014. وتجلّت هذه الأزمة من خلال الصراع على السلطة والنفوذ والولاء الخارجي بين التيارات المتنافرة التي تتكون منها الحركة وبخاصة تيارَي “الإخوان المسلمون” و”السلفية الجهادية” أو نسخة معدلة عنها.
ظنّت قيادة الحركة ممثلة بقائدها العام جابر علي الشيخ أن فترة التهدئة التي تسود في إدلب منذ توقيع اتفاق الخامس من آذار (مارس) بين روسيا وتركيا، هي فرصة مناسبة لتوجيه الاهتمام نحو داخل الحركة من أجل إعادة ترتيب أوراقها وتغيير هيكليتها بما يناسب توجهات القيادة العامة على صعيد تغليب تيار ضد تيار آخر.
ويُنظر إلى جابر علي الشيخ على أنه من المحسوبين على تيار “الإخوان المسلمون” الذي عمل الأخوين لبيب وكنان النحاس على تقوية شوكته داخل الحركة قبل سنوات عندما كانا يتحكمان بتحديد توجهات الحركة وعلاقاتها الخارجية.
وقد جاء تعيين أبو عمار العمر (التفتنازي) عام 2016 كقائد عام لحركة “أحرار الشام” ليمثل ذروة هيمنة تيار “الإخوان المسلمون” عليها. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يسارع الأخير إلى تعيين جابر علي الشيخ (القائد الحالي للحركة) نائباً له في محاولة واضحة لتعزيز تيار “الإخوان”.
غير أن الطموحات “الإخوانية” تعرضت لنكسة كبيرة بعد استفاقة السلفية داخل الحركة جرّاء الهزات الكبيرة والانشقاقات التي تعرضت لها خصوصاً في أعقاب تشكيل “جيش الأحرار” بقيادة أبو صالح طحان، حيث اضطر التيار “الإخواني” إلى الانحناء قليلاً مُفسحاً في المجال أمام تعيين سلفي جهادي على رأس الحركة شهر آب (أغسطس) 2017) والمقصود هنا حسن صوفان أبو البراء الذي كان قد خرج من سجن صيدنايا من خلال عملية تبادل بين الحركة والجيش السوري.
وكان من الواضح أن تعيين صوفان جاء نتيجة صفقة حاولت الحفاظ على التوازنات الدقيقة بين تيارات الحركة، حيث ترافق تعيينه مع اختيار كنان النحاس “المقرب من الإخوان” لرئاسة الجناح السياسي، فيما تم اختيار أبو علي الساحلي المحسوب على السلفية في منصب أمين سر القائد العام. أما أبو العز أريحا واسمه الحقيقي علاء فحّام، فقد عُين بمنصب نائب القائد العام، وهو ذو شخصية مصلحية يميل للأقوى، لذلك كان يتهم أحياناً أنه من جماعة “الإخوان” بينما يتهم أحياناً أخرى أنه مقرب من “جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني.
في منتصف عام 2018 استغلّ تيار “الإخوان” الانهماك التركي في ترتيب أوراق منطقة خفض التصعيد بإدلب، من أجل الانقضاض من جديد على منصب القائد العام للحركة، على اعتبار أن توجهات التيار “الإخواني” كانت الأقدر على التماهي مع السياسة التركية المحكومة بسقف اجتماعات آستانا من جهة وبالتفاهمات الثنائية مع موسكو من جهة ثانية. وتطبيقاً لذلك تم تعيين جابر علي الشيخ قائداً عاماً للحركة في شهر آب (أغسطس) من العام 2018، ليكون بذلك الأكثر مكوثاً في هذا المنصب بعد مؤسس الحركة أبو عبدالله الحموي (قتل عام 2014). ورغم غلبة التيار “الإخواني”، فقد جرى الحفاظ على الحدّ الأدنى من التوازن بين التيارات المتعددة داخل الحركة خصوصاً بين جناح القيادة العامة المحسوب على “الإخوان” والجناح العسكري الذي تهيمن عليه قيادات محسوبة على التيار الجهادي ومتشربة من مبادئه، وإن حاولت خلال سنوات ماضية إدخال تعديلات على بعض أفكاره بما يناسب الواقع السوري المعقد.
مسعى التلاعب بهذا التوازن هو الذي مثّل الشرارة التي أطلقت حالة التمرد الأخيرة في صفوف الحركة والتي كانت قرية عين البيضا مسرحاً لحوادثها. فقد اعتقد جابر علي الشيخ أن في إمكانه احتواء التيار الجهادي من خلال خطوتين سعى إلى تنفيذهما: الأولى، تكوين قوة عسكرية موالية له تكون موازية لقوة الجناح العسكري وذلك من خلال تشكيل “قوة المغاوير” ودعمها بالأسلحة والمال والعناصر. والثانية، من خلال حبك مؤامرات تتيح له التخلص من قيادة الجناح العسكري ممثلة بقائدها النقيب عناد درويش المعروف بلقب أبو المنذر درويش، والإتيان بقيادة تكون أكثر طواعية لأوامره وتوجهاته.
لكن عزل درويش ليس بالأمر السهل، وقد يؤدي إلى تشققات وتصدعات تماثل تلك التي جرت عندما عُزل أبو صالح طحان من قيادة الجناح العسكري، فرفض القرار لتُعقد بعد ذلك صفقة عُين من خلالها الأخير في منصب نائب القائد العام للشؤون العسكرية، لذلك ذهب الشيخ إلى خيار قصقصة أجنحة درويش وتجريده من أوراق قوته قبل الإجهاز عليه وإقالته. وقد بدأت هذه المحاولات قبل أشهر عندما قرر الشيخ عزل القيادي أبو صهيب من منصبه كمسؤول “المتابعة” في الجناح العسكري، لكن القرار بقي حبراً على ورق بعد ما تنبه درويش إلى أنه هو المقصود من هذا الإجراء، فأوعز إلى أبو صهيب برفض القرار والبقاء في منصبه وهو ما حدث فعلاً.
وكانت المحاولة الثانية، قبل أيام، عندما أصدر قائد الحركة قراراً بعزل أبو فارس درعا من قيادة قطاع الساحل، فرفض تنفيذ القرار كما رفضه أبو صهيب من قبل، لكن الفارق هذه المرة أن التطورات أخذت منحى أكثر حدّة وخرجت تفاصيل الخلافات إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
أما بالنسبة إلى دور أبو محمد الجولاني في هذا التمرد الجديد، فإنه من المستبعد ألا يكون له دور خصوصاً أنه عمل منذ سنوات على اختراق حركة “أحرار الشام” وتطعيمها بقيادات تتناغم مع توجهاته، وهو حريص أشد الحرص على أن يبقى له تأثير في تحديد نقطة التوازن بين التيارات المختلفة في الحركة. لكن هذا لا يعني أن الجولاني هو صاحب القرار في ما يحصل داخل الحركة من خلافات وتمرد، بل أقصى ما يمكنه القيام به هو اللعب على حبال الخلافات الموجودة أصلاً وتجييرها لمصلحته.
وقد يظن البعض أن تمرد الجناح العسكري على القيادة “الإخوانية” قد يزعج أنقرة ويدفعها إلى التدخل في هذا الصراع لترجيح كفة حلفائها “الإخوانيين”. غير أن الواقع يقول غير ذلك، لأن أنقرة لا تهتم كثيراً بمثل هذه الصراعات ولا بالنتيجة التي يمكن أن تؤول إليها، لأن ما يعنيها بالدرجة الأولى هو أن يكون حليفها أو المتعاون معها هو الممسك الحقيقي بالأرض وصاحب القدرة على تسويق سياساتها، بغض النظر بعد ذلك، إن كان هذا الحليف “سلفياً جهادياً” أم “إخوانياً”.
ومع ذلك، فإن حلّ الخلاف الحالي بين تيارات حركة “أحرار الشام” لن يشكل استثناءً على الحلول التي انتهت إليها خلافات سابقة. ومن المتوقع أن تضطر هذه التيارات للتوصل إلى صفقة جديدة يتم من خلالها توزيع المناصب بين مختلف قادة هذه التيارات. وقد يكون تنطّح أبو عمار العمر القائد السابق للحركة والمحسوب على “الإخوان” للتوسط بين القيادات المتنازعة بمثابة دليل على أن تيار “الإخوان” أحس بحقيقة المأزق الذي يمر به داخل الحركة، لذلك سارع إلى تفويض العُمر لإيجاد حلّ، كما أنه بمثابة مؤشر على أن الأزمة البنيوية التي تعانيها الحركة سوف تستمر وقد تتفجر بين حين وآخر إلى أن يحسم أحد التيارين الصراع لمصلحته.
النهار العربي