الجمعة , أكتوبر 30 2020
تمثال

برلين توقف هدم تمثال “نساء المتعة” وسط خلاف مع اليابان

برلين توقف هدم تمثال “نساء المتعة” وسط خلاف مع اليابان

تمثال يرمز لمعاناة ضحايا الاستعباد الجنسي في كوريا خلال الحرب العالمية الثانية أحدث توترات دبلوماسية في طوكيو وسيول وبرلين. اليابان تطالب بإزالة التمثال، ولكن ناشطين في برلين يقاومون.

أوقفت محكمة برلينية بشكل مؤقت، الأربعاء، خطة إزالة تمثال برونزي يرمز لمعاناة ضحايا الاستعباد الجنسي في كوريا. التمثال يمكن أن يبقى مبدئيا في مكانه، إلى حين “دراسة كل الحجج التي قدمتها إدارة الحي، وكل الدفوع المقدمة من كل الأطراف حول هذه القضية المعقدة”، كما يقول شتيفان فون داسل، عمدة منطقة وسط العاصمة/ مِته في برلين.

التمثال المثير للجدل هو عبارة عن مجسم برونزي لشابة تجلس بسكينة على كرسي وترتدي زيا كوريا تقليديا، وعلى رأسها إكليل من الورود وطائر صغير يجلس على كتفها. خلال الأيام القليلة الماضية تدافع نشطاء للإحاطة بالتمثال الموجود في شارع جانبي من شوارع حي موابيت في منطقة وسط برلين. تجمعوا بأعداد متزايدة للاحتجاج ضد خطة إزالة التمثال. نتيجة للتوتر الدبلوماسي الأخير الذي نشأ عقب إزاحة الستار عن التمثال في 28 سبتمبر/أيلول.

ورغم الهدوء الذي يعكسه التمثال، إلا أنه يتعلق بقضية ساخنة وقديمة تذكر بما جرى خلال الحرب العالمية الثانية. يهدف العمل الفني للفت الانتباه إلى استخدام

العنف الجنسي كسلاح في الحرب وللتذكير بمعاناة الآلاف من “نساء المتعة” اللواتي أجبرن، خلال حرب منطقة آسيا والمحيط الهادئ، على العمل الجنسي.

القضية هي مسألة خلافية عميقة بين اليابان وكوريا، اللتين تراجعت علاقتهما الدبلوماسية خلال السنوات الماضية.

بعد عشرة أيام من نصب التمثال وإزاحة الستار عنه، أخطرت سلطات منطقة وسط برلين الرابطة الكورية، المنظمة غير الحكومية لحقوق الإنسان، التي تقف خلف هذا التمثال، بأنه يجب أن يهدم ويزال.

مؤيدو بقاء التمثال يتهمون السلطات المحلية في منطقة وسط برلين بالرضوخ لضغط الحكومة اليابانية. أنصار بقاء التمثال تجمعوا الثلاثاء، قبل يوم من الموعد الذي كان محددا لإزالته تحت شعار “كوني شجاعة يا برلين”.

آلاف من النساء عوملن كعبيد للجنس خلال الحرب

تشير التقديرات إلى أن ما بين 30 ألفا و200 ألف امرأة كورية أرغمتهن اليابان على ممارسة البغاء، خلال احتلالها لشبه الجزيرة الكورية. تم جلب معظمهن إلى ما عرف بـ”محطات المتعة” العسكرية، في بعض الحالات تحت ستار التشغيل أو لاستيفاء دين على أحد أقارب المرأة.

وهناك نساء كثر غيرهن تم جلبهن من دول أخرى احتلتها اليابان، مثل ميانمار وتايلاند وفيتنام وماليزيا والصين ومنغوليا وتايوان واندونيسيا وتيمور الشرقية وبابوا غينيا.

في عام 1996 صدر تقرير للأمم المتحدة أكد أن النسوة كن “مسترقّات جنسيا” خلال عمل عسكري.

لكن اليابان ترفض هذا التقرير. وفي اتفاقية تعويض بين اليابان وكوريا الجنوبية وقعت في عام 2015، لم يتم التطرق إلى مسألة: هل كان الإجبار على البغاء سياسة اتبعها النظام الياباني حينها. وبقيت هذه النقطة موضع خلاف بين الدولتين.

شجاعة عظيمة عند الناجيات

ولأن عدد النساء الناجيات المتبقيات على قيد الحياة كان، في مارس/آذار الماضي، 18 امرأة كورية جنوبية فقط، صار مسألة الاعتذار الرسمي من الضحايا السابقات وتعويضهن قانونيا، أمر ملحا، قبل أن يتوفين.
والآن أثار قرار إزالة التمثال في برلين مشاعر أسى لديهن. “كنا حزينات لما سمعنا أن برلين قررت إزالة التمثال”، تقول يونغ سوك-ريبل، التي قدمت في عام 1965 من كوريا الجنوبية للعمل في برلين. وتضيف: أردنا من خلال التمثال “تكريم الضحايا المتبقيات على قيد الحياة” ومنحهن تعويضا معنويا. السيدة الكورية التي تعتبر برلين موطنها، أصيبت بخيبة أمل من قرار السلطات البرلينية وعدم أخذها موقفا أقوى.

ولكن سلطات منطقة وسط برلين بررت موقفها بأنها لا تريد التدخل في صراع ذي حمل ثقيل بين دولتين أجنبيتين. فون داسيل، عمدة منطقة وسط برلين، يقول: تم منح الإذن للمنظمة كي تعرض “تمثال السلام” لمدة عام واحد “كموقف ضد العنف الجنسي بحق النساء خلال الصراعات المسلحة”، بشكل عام.

ولكن التمثال “منحصر فقط بتجسيد تصرف الجيش الياباني خلال الحرب العالمية الثانية”.

اعترف فون داسيل لاحقا بأن منطقة وسط برلين اضطرت لمراعاة المصالح الوطنية الألمانية، ومنها العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا واليابان.

الجانب الألماني لم يذكر أن اليابان تدخلت في القضية، ولكن هناك حالات مشابهة من فرايبورغ مثلا، أو خارج ألمانيا، وخصوصا في سان فرانسيسكو.

اليابان عبرت على لسان سكرتير الحكومة عن غضبها من التمثال، وأضاف السكرتير بأنه سيتواصل مع المسؤولين في العاصمة الألمانية لإزالته.

قادة البلاد يزعمون أن كوريا الجنوبية تسيء استخدام موضوع “نساء المتعة” للإساءة لسمعة اليابان.

استخدام قوة الفن لفتح مجال للحوار

منظمة رابطة كوريا الموجودة في برلين تنفي هذه التهمة اليابانية. المنظمة تسعى لمكافحة العنف الجنسي ضد النساء حتى في دول أخرى، كما في حالة النساء السودانيات والإيزيديات. “لم يأت أحد إلينا ممن شاهدوا التمثال ليقول: اليابان سيئة”، تقول ناتالي يونغ-هوا هان، رئيسة منظمة رابطة كوريا، في تصريح لـDW، خلال وقوفها أمام التمثال.

بل هناك من قال لنا: “إن هذا الأمر عايشته. هذا ما جرى لجدتي في الحرب العالمية الثانية. لقد حدث في وطني الأم”. وهكذا “يدخلون في حوار مع بعضهم. وهذه هي القوة الحقيقية للفن”.

هان وصفت المظاهرات ضد إزالة التمثال بأنها نجاح. ونفت أن تكون منظمة رابطة كوريا تمثل مصالح دولة أجنبية: “نحن بالدرجة الأولى جمعية برلينية”.

واعتبرت هان بأن إيقاف إزالة التمثال هي “خطوة في الطريق الصحيح. البرلينيون يريدون إثارة هذا النقاش”.

لويزه فون ريشتهوفن/ف.ي