الخميس , ديسمبر 3 2020
مدينة 1

قصة المدينة التاريخية التي “تصمت” عن ماضيها في تجارة العبيد

قصة المدينة التاريخية التي “تصمت” عن ماضيها في تجارة العبيد

بدت الجدران السميكة المبنية من الطوب الأحمر مرتفعة بينما كنت أدلف إلى داخل أطلال مستشفى “سان نيكولاس دي باري” الذي يعود إلى القرن السادس عشر. ويقع المستشفى في قلب مدينة سانتو دومينغو التاريخي المبني على طراز الحقبة الاستعمارية، والذي أدرجته اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالمي.

وحكت لي مرشدتي، ماريبل نونيز، الناشطة بمؤسسة “أكسيون أفرو دومينيكانا” التي لا تهدف للربح في سانتو دمينغو عاصمة جمهورية الدومينيكان، قصة مايكيلا، المرأة السوداء التي عاشت هنا في مستهل القرن السادس عشر وألهمت نيكولاس دي أوفاندو، المفوض السامي الإسباني لبناء هذا المستشفى التاريخي، الذي كان أول مستشفى في الأمريكتين.

وتقول نونيز: “كانت امرأة سوداء تعالج المرضى في كشك متواضع بني على أنقاضه فيما بعد مستشفى دي باري. وكانت تستعين بمعلوماتها عن الطب الطبيعي لإنقاذ حياة الناس”.

ووثقت مخطوطة تعود للقرن السادس عشر قصة هذه البطلة الدومينيكية المجهولة ذات الأصول الأفريقية – والتي قررت نونيز أن تطلق عليها اسم ميكايلا- لأن الممارسات القائمة على تجريد العبيد من خصائصهم الإنسانية تعتمد على محو أسمائهم. وقد سجل باحثون من معهد الدراسات الدومينيكية بجامعة سيتي بنيويورك، هذه المخطوطة أثناء بحثهم عن تاريخ الوجود الأفريقي في جمهورية الدومينيكان.

وفي خطاب إلى التاج الإسباني عن المستشفى الجديد، وصف كبير أساقفة سانتو دومينغو الأصول الأفريقية في المدينة بأنها ترتبط “بامرأة سوداء تقية كانت تؤوي جميع الفقراء قدر وسعها وتعالجهم بقدر استطاعتها”.

ولمحت أمام أطلال المستشفى لوحة معدنية وضعت حديثا تشيد بدور المفوض السامي الإسباني بالمدينة في بناء المستشفى، لكنها أغفلت دور ميكايلا، المرأة السوداء التي ألهمته لبنائه.

وتقول نونيز: “لنأخذ نحن زمام المبادرة ونكرم ميكايلا ونخلد ذكراها”. ثم دوى صوت أغنية أفريقية شعبية عن إله أفريقي، في أرجاء المكان. ولم تكد تمر لحظات حتى تجمعت بضعة نساء دومنيكيات من أصل أفريقي، بمن فيهن نونيز، وأخذن يرقصن على أنغامها. وسرعان ما اتسعت الدائرة أمام أطلال المستشفى.

ولا يدرك الآن إلا القليلون أن الأفارقة الأوائل في الأمريكتين الذي جلبهم كريستوفر كولومبوس مما بات يعرف بالسنغال وغامبيا، في التسعينيات من القرن الخامس عشر، استقروا في جمهورية الدومينيكان، ومنها أيضا بدأت تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي في عام 1503، قبل 116 عاما من وصول أول مجموعة من العبيد إلى المستعمرات في الولايات المتحدة. وكانت جمهورية الدومينيكان ثاني دولة، بعد هايتي المجاورة، تلغي تجارة الرقيق في عام 1801.

مقالات مشابهة :  الحرارة في موسكو تسجل مستويات غير مسبوقة منذ 70 عاما

وفي عام 2014، أنفقت الدولة أكثر من 100 مليون دولار على عمليات ترميم واجهات المباني في قلب العاصمة التاريخي وطلائها وتحويل بعضها إلى حانات ومعارض فنية ومتاجر، بغية تنشيط السياحة. لكن حتى الآن، لا تكشف هذه المنطقة المبنية على الطراز الاستعماري، والتي يطلق عليها السكان المحليون اسم “المنطقة الاستعمارية”، إلا القليل عن ماضيها الأفريقي.

وقد يغادر السياح المدينة دون أن يعرفوا عن تاريخ جمهورية الدومينيكان سوى حقبة الاستعمار الإسباني.

وتعد منطقة “المدينة الاستعمارية” في قلب سانتو دومينغو، المكونة من 10 مبان تاريخية، أقدم مستوطنة دائمة للأوروبيين في الأمريكتين. وكانت المنطقة في الماضي مسوّرة، ولا تزال آثار بعض مداخلها المحصنة باقية. وتفخر المدينة بأنها كانت تضم أول الطرق المعبدة وأول قلعة عسكرية وأول كاتيدرائية ودير وجامعة في الأمريكتين.

وتصطف على جانبي أزقتها المرصوفة بالحصباء مبان شيدت على الطراز المعماري الإسباني، بما في ذلك المباني الحجرية ذات الواجهات الوردية والخضراء والصفراء، والكثير منها يحتفظ بالأبواب المعدنية الأصلية والمداخل والنوافذ المقوسة والشرفات المزينة بالحديد المطروق. وتنتشر في أنحاء ميادينها الواسعة تماثيل للمستعمرين الإسبان.

واختار الغزاة الإسبان هذا الموقع على الضفة الغربية لنهر أوزاما بعد أن أخفقت محاولتان لإقامة مستوطنات في الساحل الشمالي للجزيرة. وأسفر وصول كولومبوس في عام 1492 إلى المدينة وبحثه المضني عن الذهب في الجزيرة للتاج الإسباني عن استعباد وإبادة أكثر من 400 ألف شخص من شعب التاينو، السكان الأصليين لمنطقة الكاريبي، على مدى عقدين من الزمن.

وبعد أن تحول اهتمام الإسبان إلى قصب السكر، شرعوا في استيراد الرقيق من أفريقيا للعمل في أول مزارع لقصب السكر في العالم الجديد. وارتبط تاريخ المدينة ارتباطا وثيقا بأكثر من 28 قبيلة أفريقية جلبها الإسبان إلى الجزيرة على مدى ثلاثة قرون.

ورغم ذلك، إذا تجولت في أنحاء قلب سانتو دومينغو التاريخي اليوم، من السهل أن تظن أن الإسبان شكلوا بمفردهم ملامح تراث هذه المدينة الثري وماضيها.

مقالات مشابهة :  الإفتاء المصرية تحرم تجسس الزوج والزوجة على هواتف بعضهما البعض

ولهذا تنظم نونيز، وبدعم من جامعة سانتو دومينغو ومجموعات نشطاء دومنيكيين من أصول أفريقية، رحلات سنوية للتوعية بتاريخ العبيد الأفارقة الذين هربوا من المستعمرين وأقاموا مجتمعات حرة في مناطق معزولة في منطقة الكاريبي، وعرفوا باسم “المارون”.

وتستقطب الفعاليات التي تستمر ليومين، طلاب الجامعة وسكان المدينة ووافدين مثلي مهتمين بالتعرف على ماضي المدينة الأفريقي غير المعروف. ويشرح المرشدون بهذه الجولات التثقيفية إلى المعالم التاريخية بالمدينة إسهامات الأفارقة في تاريخ جمهورية الدومينيكان.

وتقول نونيز: “إن تكريم أبطالنا والتعريف بهم هو مبعث اعتزاز لنا”.

وبعد أن غادرنا أطلال المستشفى، ذهبنا برفقة نونيز إلى بلدة نيغوا الصغيرة التي تبعد 24 كيلومترا عن سانتو دومينغو، وكانت سابقا مركزا لمزارع القصب ومصانع تكرير السكر التي يديرها الإسبان. وكانت هذه البلدة مسرحا لواحد من أكبر الانتفاضات في الجزيرة بقيادة 200 أفريقي من العبيد في مصنع بوكا دي نيغوا في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1796.

ويصف داريو سولانو، الخبير في التاريخ الدومينيكي الأفريقي والمشارك في لجنة جمهورية الدومينيكان بمشروع طريق الرقيق التابع لمنظمة اليونيسكو، هذه الانتفاضة بأنها كانت أوضح تعبير عن المقاومة الأفريقية للعبودية في الجزء الإسباني من الجزيرة.

ويقول : “كان هذا أول تمرد يتخذ بعدا سياسيا بقصد إلغاء العبودية وتأسيس حكومة تمثل التنوع العرقي في الجزيرة”.

وتضمن الهجوم الاستراتيجي للمتمردين مصادرة الذخيرة بالمصنع وحرق مزارع القصب ومنزل ملاكها. وتقول نونيز إن قادة الاحتجاجات كان من بينهم امرأة، تدعى آنا ماريا، ولقبت بملكة العبيد المحررين أثناء الاحتجاجات.

لكن سولانو يقول إن مصنع بوكا دي نيغوا لا تزال أهميته غير معروفة على المستوى المحلي، رغم أنه من بين المواقع التي أبرزت اليونيسكو دورها في تجارة الرقيق ضمن مشروع طريق الرقيق في منطقة الكاريبي. فلا يوجد مركز للتعريف بدوره أو لافته تدل عليه، ولا توجد سوى أطلال.

ويقول سولانو: “في دولة مثل جمهورية الدومينيكان، التي تعتمد على السياحة، هناك نوع من السكوت المتعمد عن الماضي، فهم يريدون إخفاء الأحداث التي وقعت هنا”.

وينظم سولانو كل عام في يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول مهرجان المارون في هذا الموقع، لإحياء ذكرى انتفاضة بوكا دي نيغوا. وتعد نيغوا البلدة الوحيدة التي تحتفل بإنهاء العبودية وإسهام الأفارقة المستعبدين في تاريخ الدومينيكان. ويخطط سولانو لتخصيص يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول كـ “يوم للتراث الأفريقي” في نيغوا.

مقالات مشابهة :  بسبب “الروبوت” .. ملايين الأشخاص في العالم فقدوا وظائفهم خلال أزمة “كورونا”

ربما تكون انتفاضة نيغوا مستلهمة من ثورة هايتي سنة 1791، لكن الأدلة التاريخية تؤكد أن مقاومة السود للعبودية في الأمريكتين بدأت من جمهورية الدومينيكان. فقد شهدت بلدة نيغوا أولى انتفاضات مزارع قصب السكر في عام 1522 في مصنع كان يمتلكه ابن كريستوفر كولومبوس الأكبر.

ويقول سولانو: “كان المتمردون من مجموعة الولوف العرقية، التي كانت تعيش في اتحاد سينيغامبيا- بين السنغال وغامبيا. وبعد عامين سنتحفل بمرور 500 عام على أول تمرد للسود في العالم الجديد”.

ولعبت جمهورية الدومينيكان دورا بارزا آخر في حركة مقاومة العبودية بفضل جوان سباستيان ليمبا، الذي جُلب عنوة عندما كان طفلا إلى سانتو دومينغو من الكونغو في مستهل القرن السادس عشر. وفي عام 1532، هرب ليمبا من العبودية وبدأ مسيرته البطولية التي استمرت 15 عاما في جمهورية الدومينيكان وكوّن جيشا يتراوح ما بين 200 و400 أفريقي من المارون الذين شاركوا في تحرير المجتمعات المستعبدة في البلاد من نير العبودية.

ويقف تمثال ليمبا، الذي يعد التمثال الوحيد الذي يكرم شخصا من أصول أفريقية، أمام مدخل متحف الإنسان الدومينيكي.

وكانت المحطة الأخيرة هي بلدة فيلا ميلا على بعد 20 دقيقة من سانتو دومينغو، التي شكّل الأفارقة المستعبدون فيها جماعات تعود إلى القرن السادس عشر. وحافظ أحفادهم على تقاليدهم الثقافية ومعتقداتهم الدينية الخاصة بهم. وتعد جماعة “لوس مورينوس” واحدة من هذه الجماعات.

واتخذت الجماعة من منزل فيروزي اللون مسقف بالزنك مقرا وكنيسة لها. ورأيت داخل المنزل ثلاثة رجال يحملون طبولا طويلة مغطاة بجلد الماعز ويربطونها حول خصورهم بحبال رقيقة.

واستقبلنا أفراد الجماعة بأغان دينية. وأخذت الشمس تغيب، وهطلت الأمطار، لكن صوت الطبول والدفوف والأغاني طغى على صوت الأمطار.

وسألت سولانو عن الطبول الطويلة التي نادرا ما أسمعها في قلب المدينة.

وأجاب سولانو بأن “طبلة البالو هي التعبير الموسيقي الأصلي لجمهورية الدومينيكان. إن موسيقى الميرينغي أصبحت الموسيقى الرسمية في عهد الرئيس رافائيل تروخيو، لقد فُرضت علينا فرضا، لكن البالو الأفريقية كانت موجودة بالفعل، وهي الموسيقى الوطنية لجمهورية الدومينيكان”.

بي بي سي