الثلاثاء , مارس 2 2021

رداء أحمر لثيران وول ستريت.. ما قصة “GameStop”؟

رداء أحمر لثيران وول ستريت.. ما قصة “GameStop”؟

في الأيام الأخيرة الماضية، تحوّلت “GameStop” من شركة لسلسلة متاجر بيع ألعاب الفيديو في أميركا إلى ما يشبه لعبة فيديو تبدو كساحة معركة بين فريق من المستثمرين الصغار وفريق من المستثمرين الكبار الّذين يسيطرون على بورصة وول ستريت. حتى الآن، ما يزال الفريق الأول صامداً على نحو ملحميّ في وجه الفريق الآخر؛ الشريحة الـ1% الأكثر ثراء في المجتمع الأميركيّ.

على مدى السنوات الستّ الماضية، عانت “GameStop” هبوطاً متواصلاً في قيمة أسهمها، خاسرةً الكثير من المال نتيجة النمو المتزايد لسوق بيع ألعاب الفيديو عبر الإنترنت بدلاً من المتاجر والفروع.

كانت قيمة السّهم في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الأربعاء الماضي تبلغ 18$، ما دفع الكثير من المستثمرين المحترفين الكبار، كممارسة روتينية ومعتادة، إلى المراهنة بمبالغ هائلة على استمرار هبوط أسهم الشركة.

في هذا النوع من الرهانات، وما يُسمّى “البيع المكشوف” للأسهم، يقوم المستثمرون باقتراض السهم الهابط من شركة سمسرة بمبلغ محدّد وبيعه مباشرةً، على أمل أن يعيد المستثمر نفسه شراءه لاحقاً بسعر أقل، معوّلاً على استمرار هبوط الأسهم، واضعاً فرق المبيع في جيبه.

قد يسأل البعض عن السبب الذي يجعل أسهم تلك الشركة تهبط ليسترجع المراهنون أرباحهم المضافة، والجواب هو: بعيداً من الأسباب الأولى ذاتها، أي تأثيرات قوى السوق البحتة التي جعلت تلك الأسهم تهبط في الأساس، ثمة فاعل مؤثر في هذه المبادلة، وهو “صناديق التحوّط” (Hedge Funds) وأصحاب رؤوس المال الضخمة الذين يستخدمون مصداقيتهم ونفوذهم لإقناع باقي المستثمرين بأنَّ أسهم هذه الشركة أو تلك آيلة إلى الهبوط والإفلاس لا محالة، غير أن ما حصل هنا هو العكس تماماً. وبدلاً من أن تهبط قيمة أسهم “GameStop”، حلّقت إلى 380$ للسهم الواحد، ما كبّد صناديق التحوّط والمستثمرين الكبار خسائر إجمالية بمليارات الدولارات.

وقبل الصّعود الحادّ لأسهم الشركة المذكورة، انضمّ ريان كوهن، الشريك المؤسس لـ”Chewy”، إلى مجلس إدارة شركة “GameStop”، بهدف مساعدتها على التحوّل من البيع عبر المتاجر إلى التجارة الإلكترونية؛ مجال خبرة كوهن ونجاحه، فقفزت قيمة السّهم فيها من أقلّ من 18$ إلى 19.94$، ليكون مؤشراً على تقدّم نوعي وواعد لأسهم الشركة، لكنه لم يكن السّبب الوحيد في الارتفاع الخيالي لقيمة السهم، ففي مقابل العنجهية والممارسة الجشعة لثيران وول ستريت – بحسب تعليق أحد المستثمرين الصغار في الرابط – ما كان من المستثمرين الصّغار الذين يستخدمون تطبيقات التداول المجاني لأول مرة، إلا أن نظموا أنفسهم وشكّلوا ما يشبه الأسراب المهاجمة على منصة “Reddit” ضمن رابط – تم حذفه الآن – باسم “r/WallStreetBets”، وبدأوا بحثّ بعضهم البعض على الحفاظ على ارتفاع أسهم “GameStop” عبر شرائها والاستثمار فيها بكثافة.

ليس هناك سبب حتى الآن يفسّر استقطاب “GameStop” لهذه الشريحة من المستثمرين المبتدئين سوى نزعة الانتقام الواضحة في منصّات التواصل.

مع ما تقدّم، لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا الصعود الحاد جداً والمفاجئ في القيمة السهمية لـ”GameStop”، وعلى الرغم من الخسائر الهائلة التي أصابت العديد من الشركات، لن يكون دائماً، ولا يبدو أيضاً أنه يصبّ في مصلحة المستثمرين الصغار على المدى الطويل، إذ ينبغي للشركة تحقيق أرباح فعلية في السوق عبر خطوات عملانية كثيرة لتوازن بين القيمة الإسمية والقيمة الحقيقية لأسهمها، وهو الأمر المستحيل على “GameStop” في الوقت القريب.

وبالتالي، يُتوقع أن تتراجع قيمة السّهم إلى ما كانت عليه بعد انضمام كوهن إليها، أي 20$ تقريباً، لكن ما يزال يتعيّن على بائعي الأسهم المكشوفة تغطية حصصهم المقترضة، ما سيضطرّهم بعد ذلك إلى إعادة شراء السّهم بالسعر الأعلى في ما يُعرف باسم “ضائقة الأسهم المكشوفة” (short squeeze). في هذه الحالة، سيحاول البائعون على المكشوف خفض خسائرهم بشراء الأسهم التي توقّعوا أن تفقد قيمتها؛ العمليّة التي من شأنها أن تغذي دورة أخرى من الأسعار المرتفعة للأسهم.
كيف تستجيب شركات التداول لهذا التمرّد؟

وضعت شركة “Interactive Brokers” قيوداً في تطبيقاتها على تداول أسهم “GameStop”، قائلة إنَّ صفقات الأسهم الطويلة تتطلّب هامشاً بنسبة 100%، وصفقات الأسهم القصيرة تتطلّب هامشاً بنسبة 300% حتى إشعار آخر. أما “Robinhood”، فقد اتخذت بدورها إجراءات مماثلة للحدّ من ارتفاع أسهم “GameStop” وغيرها من الشركات المستهدفة الأخرى، مثل “AMC”، و”BlackBerry”، و”Express”، و”Koss”، و”Nokia”، و”Naked Brand Group”.
كيف يستجيب المستثمرون؟

فوجئ الكثير من المستثمرين المستخدمين لتطبيقات “Robinhood” و”Interactive Brokers” وغيرها من المنصّات بالقيود المفروضة على حساباتهم بعد انطلاق بيع أسهم “GameStop” يوم الخميس الماضي، لتعلن “Robinhood” بعدها بأنها ستسمح، يوم الجمعة، بـ”عمليات شراء محدودة” لأسهم “GameStop” وغيرها من الأسهم المكشوفة، لكن المستثمرين أبلغوا باستمرار فرض القيود السابقة طوال يوم التداول.

أثارت تلك القيود التي فرضتها شركات التداول على مستخدميها موجة عارمة من الامتعاض والغضب والاستغراب، إذ أعرب أحدهم عن نيّته رفع دعوى قضائية جماعية على “Robinhood”، متهماً شركة السمسرة بمنع وصوله إلى أسهم “GameStop” الخاصة به، واشتكى آخر من سوء خدمة التطبيق بسبب القيود التي جعلت منه منصّة غير فعالة، ما أدى إلى خسارته مبلغاً يساوي 2000$، نتيجة إلغاء التطبيق لعملية التداول التي كان يقوم بها لحظة فرض القيود. وعلّق آخر أيضاً على مبدأ القيود على التداول ذاتها، قائلاً: “أنا لا أفهم. إذا كان باستطاعتي البيع، فمن سيشتري الأسهم؟ لأنه ليس ثمة من يشتريها بفضل القيود المفروضة على الشراء!”.
فريق بايدن الاقتصادي يراقب عن كثب

أعلنت الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي، يوم الأربعاء المنصرم، أنّ وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين والفريق الاقتصادي لإدارة بايدن يتابعون الأخبار عن كثب. وقالت لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية، يوم الجمعة أيضاً، بأنها تراقب عن كثب “التقلّب الشديد في أسعار تداول بعض الأسهم”، وتعهّدت بحماية المستثمرين الصغار.

إنَّ الجنون الحاصل في التّداول بأسهم شركة “GameStop” وآثاره الضخمة في البورصة والمستثمرين وصناديق التحوّط الأميركية، ومع كونه حدثاً تاريخياً في عالم التجارة، لا بدّ من أنه سيجلب معه الكثير من الأسئلة التي ستكون حديث المحللين والخبراء والمراقبين في الإعلام الأميركي، لما يحمله من مخاطر ونتائج على الاقتصاد الأميركي ككل في ظل جائحة “COVID-19”.

ولا شكَّ أيضاً في أنَّه أضاء على ثغرة مهولة في عالم وول ستريت المعقد، ستكون محطّ أنظار الاقتصاديين والاجتماعيين لدراستها واستخلاص الدروس منها، فهل تشكّل هذه الانتفاضة التداولية مؤشراً على بداية تمرّد من الطبقة الاجتماعية الوسطى المتسعة بازدياد على الطبقة الـ1% المسيطرة على ثروات الشعب الأميركي؟

المصادر:

1- https://cutt.us/FYrfh.

2- https://cutt.us/48foD.

3- https://cutt.us/LLoiu.
الميادين