الخميس , مايو 6 2021

بين دعم البنزين واستيراد الآيفون … ما هي أولويات الحكومة السورية؟

بين دعم البنزين واستيراد الآيفون … ما هي أولويات الحكومة السورية؟

زياد محسن

تظهر الظروف المعيشية والأزمة الاقتصادية التي تمر بها “سوريا” حالياً أهمية وجود سياسات حكومية واضحة تبنى عليها قرارات التعامل مع الأزمة.

حيث لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة ولا فصل السياسة عن الفلسفة، بمعنى أن كل دولة تضع لنفسها فلسفة خاصة تعبّر عنها بالدستور في معظم الأحيان، وتحدّد بموجبها نظامها السياسي وأحكامها الأخلاقية تجاه القضايا المختلفة، وتصبح تلك المبادئ مرجعية لتفسير كل قرارات أو سياسة عامة تتخذها السلطات التنفيذية والتشريعية.

تنص المادة 13 من الدستور السوري على أن السياسة الاقتصادية للدولة تهدف إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع والأفراد عبر تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية للوصول إلى التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة.

فيما تقول المادة 14 من الدستور أن الثروات الطبيعية والمنشآت والمؤسسات والمرافق العامة هي ملكية عامة تتولى الدولة استثمارها والإشراف على إدارتها لصالح مجموع الشعب وواجب المواطنين حمايتها.

وبناءً عليه فإن الدستور السوري يقول أن سياسة الدولة تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، أي رعاية أفراد المجتمع وتقليص التفاوت الطبقي بينهم عبر إجراءات كدعم السلع الأساسية وتخفيض الضرائب على الأقل دخلاً وغيرها.

إقرأ أيضاً :  وصول ناقلة نفط إلى مصفاة بانياس

على أن تكاليف هذه الرعاية وهذا الدعم تتحملها الخزينة العامة، والتي هي ملك الشعب بحسب الدستور، بمعنى أن الدولة هي الجهة التي تدير عملية توزيع عائدات ثروات الشعب على أفراده بسياسات الدعم والرعاية والطبابة المجانية والتعليم المجاني وغيرها، وأن هذا الدور ليس فضلاً ولا منّة من أحد بل هو واجب على الدولة ودور أساسي لها.

عملياً، شهدنا خلال الآونة الأخيرة سلسلة قرارات حكومية تخفض من دور الدولة الراعية، عبر تخفيض الدعم عن البنزين و المازوت، تخفيض كميات الخبز المدعوم لكل عائلة، رفع سعر الإسمنت مراراً وغيرها من القرارات التي ترمي عبء الضغط الاقتصادي على الأفراد بدل أن تتحمله الدولة التي تمثّل المجموع، علماً أن هوية الاقتصاد السوري منذ مرحلة ما قبل الحرب غامضة وتائهة بين الاقتصاد الاشتراكي وبين “السوق الاجتماعي” وبين الليبرالية وبين الرأسمالية، وغياب وضوح الهوية الاقتصادية يعني ضمناً غياب وضوح هوية البلاد السياسية ومرجعياتها الأخلاقية في اتخاذ أي قرار أو إجراء.

حجم التناقضات في البلاد التي تمرُّ بأصعب الظروف الاقتصادية زاد مؤخراً أكثر فأكثر مع خلل في أولويات الحكومة، فبينما تشهد “دمشق” العمل على مشروع “ماروتا سيتي” بشققه الفارهة، تبقى سائر المناطق السورية بانتظار إعادة إعمارها بعد ما تركته الحرب من خراب، وبينما تستورد “إيماتيل” هواتف “آيفون 12” يزداد حجم جوع الملايين من السوريين وحاجتهم لما يسد رمقهم، وبجانب سيارة “تسلا” الأمريكية في شوارع العاصمة كان الآلاف ينتظرون مكاناً لهم في سيرفيس أو باص نقل داخلي.

إقرأ أيضاً :  شبح العطش يخيم على الأردن: نحو طلب العون من دمشق؟

هذه المشاهد تجسّد نموذجاً عملياً لواقع وحجم التفاوت، وتتزامن مع سياسات حكومية لا تتوافق مع مبادئ “العدالة الاجتماعية” وتوزيع الثروات على مجموع الشعب، ما يدعو لإعادة النظر بالمبادئ التي تقوم عليها البلاد، وتحديد ماهية سياساتها وأخلاقياتها ومرجعياتها وسلّم قيمها، للاستناد عليها في قرارات تسير بخطة واضحة وبمرجعية محددة وتسعى لهدف واضح، لا أن تكون خبط عشواء كما هي الحالة اليوم.
سناك سوري