السبت , مايو 15 2021
كيف يتمّ تعيين الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا؟

كيف يتمّ تعيين الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا؟

كيف يتمّ تعيين الحدود البحريّة بين لبنان وسوريا؟

من مقتضيات سيادة الدولة وسيطرتها على مواردها أن ترسم حدودها البريّة والبحريّة والنهريّة.

وبالنسبة إلى لبنان أصبح الأمر ملحّاً أكثر بعد اكتشاف وجود المواد الهيدروكاربونيّة من نفط وغاز في المناطق الاقتصاديّة التابعة لكل من لبنان والدول المجاورة، ومنها سوريا الشقيقة.

فما هي الطرق الممكنة لتعيين هذه الحدود في مثل وضع لبنان وسوريا؟

تعيين الحدود البحرية بين دولتين متجاورتين

لا تكون الدولة دائماً طليقة اليد في تعيين حدودها سواء البريّة أو البحريّة، فهي تخضع للقانون الدوليّ، وليس الداخلي (1).

ويبدأ الأمر بالتفاوض في ما بينها وبين الطرف الآخر (2). فإذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة أو إذا تعذّرت، فيمكن اللجوء إلى التحكيم الدوليّ أو إلى القضاء الدوليّ.

وقد نصّ قانون البحار على أنّه إذا لم تكن بين الدولتين اتّفاقات خاصّة أو معطيات تاريخيّة، فيُعتمد في رسم الحدود خطّ الوسط (3)،

كما تبنّت كلّ من محكمة العدل الدوليّة ومحكمة التحكيم الدوليّ طرقاً متعدّدة لتعيين الحدود بين دول متجاورة، وكان أبسطها اعتماد خطّ الوسط، لكن قد تتعقّد الأمور، فتُطرح حلولٌ أخرى. وهي تتعقّد أكثر بوجود جزر.

أ-خطّ الوسط (Médiane)

وهو الخطّ الذي يبدأ من نقطة تلاقي الحدود البرّيّة مع البحر (LTP, Land Terminus Point) ويسير باتّجاه أعالي البحار بحيث تكون كلّ نقاطه على مسافة متساوية من نقطتَي تعليم (repères) متناظرتين على كلّ من ساحلَي الدولتين (4). أو يؤخذ الاتّجاه العامّ لكلّ من شاطئَي الدولتين، فإذا شكّل التقاؤهما زاوية فيُعتمد منصّف الزاوية bissectrice حدوداً، أمّا إذا لم يشكّل زاوية، بل كان كلّ شاطئ امتداداً للآخر فيُعتمد خطّ عَموديّ على خطّ الساحلين عند نقطة التقائهما. إلا أنّ اعتماد الخطّ المذكور قد يصطدم بثلاثة استثناءات:

1. أن تكون هناك اتّفاقات خاصّة ببعض مناطق البحر.

2. أن تكون هناك حقوق تاريخيّة لأيّ من الدولتين على مناطق معيّنة (مصائد أو غيرها)

3. أن يكون الواقع الجغرافيّ للشواطئ ممّا يصعب معه تصوّر هذا الخطّ.

ب- المعايير المتعدّدة

عندما يكون شكل الشواطئ معقّداً، تؤخذ في الاعتبار معطيات عديدة، بهدف أن تؤدّي إلى حلّ عادل (5). وهذا ما كرّسته محكمة العدل الدوليّة في عدد من قراراتها، كما في قضيّة تعيين الحدود البحريّة في خليج مين (Maine) بين الولايات المتّحدة وكندا بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير 1982، والحدود البحريّة بين الكاميرون ونيجيريا بتاريخ 10 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2002، والحدود البحريّة بين الهندوراس ونيكاراغوا بتاريخ 8 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2007، والحدود في البحر الأسود بين رومانيا وأوكرانيا بتاريخ 3 شباط 2009.

إقرأ أيضاً :  وزارة الدفاع الأمريكية تكشف عن موعد سقوط صاروخ الصين المدمر

ج-الجُزُر

تعرّف المادة 121 من قانون البحار الجزيرة بأنّها «رقعة من الأرض متكوّنة طبيعيّاً ومحاطة بالماء وتعلو عليه (حتّى) في حالة المدّ». وهكذا فهي تختلف عن تكوينين طبيعيّين، وهما:

– النتوءات التي تغمرها المياه في حالة المدّ وتنحسر عنها في حالة الجزر (م13).
des hauts-fonds))

– الصخور الصغيرة التي لا حياة فيها. فالجزيرة تمتلك بحراً إقليميّاً ومنطقة متاخمة ومنطقة اقتصاديّة خالصة وجرفاً قارّيّاً تُحدّد كما مثيلاتها الخاصة بالبرّ.

أمّا النتوءات المذكورة فيعتدّ بها لتحديد خطّ الأساس لقياس البحر الإقليميّ لبرّ أو لجزيرة في حال كانت كلّياً أو جزئيّاً ضمن مسافة البحر الإقليميّ، أمّا إذا كانت خارجها فلا بحر إقليميّاً لها. وبالطبع لا منطقة متاخمة ولا جرف قارّيّاً.

وأمّا الصخور فإنّ الشروط القانونيّة التي تسمح بوصفها كذلك بالمعنى المقصود في القانون الدوليّ، فيجب أن تُقوّم بشكل موضوعيّ, فإذا كان عنصر بحريّ ما لا يتمتّع بإمكانيّة موضوعيّة لاستقبال نشاط اقتصاديّ أو سكن بشريّ، فلا يمكن أن تكون له منطقة اقتصاديّة خالصة أو جرف قاريّ (م121/3).

لكن ما المقصود بالسكن البشريّ والحياة الاقتصاديّة؟ هاتان المسألتان يجب أن تُدرسا بالمعنى الكيفيّ والزمنيّ. فـ«السكن البشريّ»، كما يرى روبرت كولب: «يجب أن يسمح بنفسه بالإقامة الدائمة لمجموعات اجتماعيّة منظّمة، وبالتالي تكون ذات أهميّة ما» (6).

وترى محكمة التحكيم الدوليّ أنّه «يجب أن يناسب (السكن) مجموعة من الأشخاص ويلبّي حاجاتها الخاصّة لمدّة غير محدّدة» (7). أمّا «النشاط الاقتصاديّ الخاصّ» فيعني القدرة بالنسبة إلى سكّان العنصر البحريّ أن يقوموا بنشاط اقتصاديّ مستقلّ، بمعنى ألّا يكونوا معتمدين كليّاً على الخارج». كما أنّ النشاط يجب ألا يقوم فقط على نشاطات استخراجيّة (8).

هذا، وكما استنتج المحكّمون في ما خصّ النزاع بين الصين والفيليبّين حول جزر سبراتلي، فإنّ الجزر التي لا تقوم فيها حياة بشريّة أو نشاط اقتصاديّ لا تتمتّع بمنطقة اقتصاديّة خالصة ولا بجرف قاريّ.

أمّا بخصوص رسم خطّ الحدود البحريّة في حال وجود الجزر أو النتوءات التي تظهر في البحر إبّان الجزر وتختفي عند المدّ، فهي تمتلك بحراً إقليميّاً.

فقد قضت محكمة العدل الدوليّة في عدد من القضايا أن يُرسم خطّ الوسط أو منصّف الزاوية انطلاقاً من نقطة الحدود على الشاطئ وصولاً إلى نهاية المنطقة الاقتصاديّة الخالصة، ثم يُصحّح عند وجود جزيرة فيلتف حول بحرها الإقليميّ ليعاود مسيره حسب رسمته الأساسيّة (9). كما في الرسم الرقم 1 الذي يبيّن الحدود البحريّة بين هندوراس ونيكاراغوا.

بين لبنان وسوريا

تبدأ نقطة التحديد بين المياه اللبنانيّة والمياه السوريّة عند مصبّ النهر الكبير الجنوبيّ ويمتدّ خطّ الوسط ليلتقي مع الخطّ الفاصل بين المياه القبرصيّة ومياه كلّ من لبنان وسوريا. لكن في أيّ نقطة من مصبّ النهر يبدأ الخطّ؟ (راجع الرسم الرقم 1).

إقرأ أيضاً :  تركيا تجهّز دفعة جديدة من المرتزقة السوريين للقتال ضد روسيا إلى جانب أوكرانيا

في الأنهار الحدوديّة الصالحة للملاحة تتكوّن الحدود من تالويك النهر Talweg، أي تيّاره الأقوى اندفاعاً وهو الذي يعلو الخطّ الأسفل في أرض النهر. أمّا في الأنهار غير الصالحة للملاحة، فيؤخذ منتصف مجرى النهر،

وهكذا فبين لبنان وسوريا يجب أن تؤخذ نقطة انطلاق خطّ الحدود البحريّة من منتصف النهر الكبير الجنوبيّ.
أمّا بشأن سير الخطّ، فهناك مجموعتا جزر على الجانبين يجب النظر في تأثيرهما:

– في الجانب اللبنانيّ، مجموعة الجزر مقابل طرابلس كبراها جزيرة الأرانب ومساحتها حوالى 0،188 كلم2، وتبعد عن طرابلس حوالى 5،5 كلم، فهي ضمن مسافة البحر الإقليميّ.

إذاً يبدأ البحر الإقليمي في تلك المنطقة عند أدنى الجزر عند الجزيرة. ولمّا كانت غير مأهولة ولا إمكانات اقتصاديّة خاصّة لها، فهي لا تتمتّع بمنطقة اقتصاديّة خالصة.

– في الجانب السوريّ، مجموعة جزر، كبراها جزيرة أرواد، وتبلغ مساحتها حوالى 0،20 كلم2 وتبعد حوالى 3 كلم عن شاطئ طرطوس، من هنا فإنّ البحر الإقليميّ الخاصّ بتلك المنطقة من سوريا يبدأ عند أدنى مستوى الجزر على شاطئ الجزيرة.

هذه الجزيرة مأهولة. لكنّها صغيرة الحجم، ولا نعتقد أنّها تتمتّع بإمكانات اقتصاديّة يُعتدّ بها، لمنحها منطقة اقتصاديّة خالصة.

يتحدّد البحران الإقليميّان لكلّ من البلدين، أخذاً في الحسبان وجود الجزر على الجانبين.

أما من أجل تحديد كلّ من المنطقتين الخالصتين العائدتين لكلّ من البلدين، فمن نقطة الانطلاق على الساحل، ومع مراعاة وجود الجزر على الجانبين، يسير الخطّ مشكّلاً خطّ الوسط Médiane، أو منصّف الزاوية المتكوّنة من التقاء خطّ الاتّجاه العامّ للشاطئ السوريّ مع خطّ الاتّجاه العامّ للشاطئ اللبنانيّ.

وصولاً إلى حدود المنطقة الاقتصاديّة الخالصة التابعة لقبرص، وبذلك تُرسم الحدود بين المنطقتين اللبنانيّة والسوريّة.

هذا من الناحية النظريّة، أمّا عمليّاً، فقد أصدرت سوريا القانون الرقم 28 لسنة 2003، الذي عدّلته سنة 2018، دون رسم حدود مع لبنان، لكنّ لبنان رسم حدود مياهه سنة 2011 بالمرسوم الرقم 6433، الذي أُودع لدى الأمم المتّحدة،

وقد أخذ خطّ الوسط، بعد انزياح إلى الجهة السوريّة أخذاً في الحسبان وجود مجموعتَي الجزر اللبنانيّة والسوريّة، ويبدأ من مصبّ النهر الكبير وينتهي عند النقطة 7 بدلاً من النقطة 6، التي كان أُنهي مؤقّتاً عندها الترسيم بين لبنان وقبرص.

هذا وتُقدّر مساحة المثلّث المحصور بين النقطتين 6 و7 ونقطة الانطلاق على الشاطئ بحوالى 580 كلم2.

كان من الواجب أن لا يؤثّر وجود الجزر، نظراً إلى مواصفاتها المبيّنة أعلاه، على الاتجاه العام لخطّ الوسط بين المنطقتين الاقتصاديّتين، بل يُرسم هذا الخطّ مع تجاهل وجود الجزر، ثم يُعالج قسمه الواقع بين الجزر بحيث ينبعج لجهة سوريا ثم يعود إلى مساره الأصلي، على غرار ما حصل بين نيكاراغوا وهندوراس.

إقرأ أيضاً :  تركيا تنوي استنساخ “التجربة السورية” في شمالي العراق

بدأ لبنان جولة التراخيص الأولى، فتقدّمت سوريا باعتراض إلى الأمم المتّحدة بواسطة سفيرها هناك بتاريخ 17/7/2014 ذكرت فيه «أنّ المرسوم اللبنانيّ لا أثر قانونيّاً له ملزماً تجاه الدول الأخرى، ويبقى مجرّد إخطار تعترض عليه الجمهوريّة العربيّة السوريّة».

ردّ لبنان برسالة أرسلها وزير الخارجيّة في 22/4/2014 إلى السلطات السوريّة عبر سفارتها في لبنان، ذكّر فيها بالمرسوم الصادر بتاريخ 1/10/ 2011 القاضي بترسيم الحدود البحريّة، لكنّ الحكومة اللبنانيّة لم تتحرّك،

رغم أنّ وزير الخارجيّة جبران باسيل أودع، كما يقول، كتباً عديدة لدى مجلس الوزراء لمفاتحة الحكومة السورية بالأمر ودعوتها إلى إجراء مفاوضات. لكنّ الحكومة اللبنانيّة لم تردّ على طلباته (راجع الرسم الرقم 2).

وكان ألكسندر لافرنتييف، مبعوث الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى سوريا، قد عرض خدمات الجانب الروسيّ في ترسيم الحدود البحريّة مع سوريا في زيارة له للبنان في حزيران من عام 2019.

وعندما أقرّ البرلمان السوريّ بالقانون الرقم 10 تاريخ 9/3/2021، اتّفاقاً مع شركة «كابيتال» الروسيّة للمسح والتنقيب عن النفط، راسماً حدود بلوكه الرقم 1، الذي يغطّي المساحة المحاذية للمناطق البحريّة اللبنانيّة، تحرّكت جهات لبنانيّة تتّهم سوريا بالاستيلاء على 750 إلى ألف كلم2 من المنطقة الاقتصاديّة الخالصّة للبنان،

علماً أنّ الاتّفاق بين سوريا والشركة الروسيّة يلحظ في بند منه «التزام المقاول بكلّ المعاهدات والاتّفاقات المستقبليّة بين الحكومتين السوريّة واللبنانيّة بخصوص إحداثيّات حدود البلوكات الجنوبيّة (السوريّة)».

كما اتّصل الرئيس السوريّ بالرئيس اللبنانيّ ميشال عون في1/4/2021 ، مستفسراً بِشأن الضجّة المثارة، وكان غرّد قائلاً: «هذه المشكلة بحاجة إلى حلّ قائم على حسن الجوار بين مسؤولين يكونون مسؤولين فعلاً في البلدين وليس على يد هواة في المصالح الاستراتيجيّة».

والسؤال البديهيّ: ما الذي منع ويمنع من التواصل مع سوريا لحلّ هذه المشكلة وجملة المشاكل الأخرى؟ هل نحن في حالة حرب مع سوريا؟ أو هل أصبحنا جزءاً من التحالف الدوليّ ضدّ سوريا، كما أصبحنا جزءاً من الحلفاء نهاية الحرب العالميّة الثانية ضد ألمانيا وسخر منّا يونس البحري؟ أم نحن حلفاء التكفيريّين الذين يقاتلون سوريا ونتبع المعلّم نفسه؟ أم هل نحن حلفاء «إسرائيل» التي تقصف في سوريا بشكل متكرّر من فوق رؤوسنا وغالباً انطلاقاً من أجوائنا؟

الأخبار- محمد طي

اقرأ ايضاً:شبح العطش يخيم على الأردن: نحو طلب العون من دمشق؟