الثلاثاء , مايو 18 2021
إمبراطورية إبلا... التي غيّرت النظرة إلى تاريخ سوريا

إمبراطورية إبلا… التي غيّرت النظرة إلى تاريخ سوريا

إمبراطورية إبلا… التي غيّرت النظرة إلى تاريخ سوريا

لأنّ مؤرّخي الحقب التاريخية القديمة ذات الصلة كانوا يحسمون بأن الإمبراطورية الأكادية هي الأقدم في المنطقة، وأن النصوص المكتشفة في تلك المدينة تثبت أنها سبقت قرينتها في العراق بقرن على الأقل…

وأيضاً لأن مملكة إبلا مثال على الدول المركزية السورية المبكرة، ويعدّها العديد من العلماء واحدة من أقدم الإمبراطوريات، بل كونها أول قوة عالمية، فقد غيّر اكتشاف إبلا النظرة السابقة إلى تاريخ سوريا كجسر بين بلاد ما بين النهرين ومصر، وثبت بأنّ المنطقة كانت مركز حضارة بحدّ ذاتها.

لكن قبل عرض المؤلف الموسوعي «إبلا (تلّ مرديخ): الأركيولوجيا والتاريخ» (مترجَم إلى الإنكليزية عن الإيطالية ـــ روتليدج ـــ 2021)، من الضروري الالتفات ولو على نحو سريع إلى الجدل الذي أثاره العالم اللاهوتي الإيطالي جيوفاني بتيناتو في قراءته لبعض السجلات الإبلية (أو الإبلاوية)،

مستعينين بما أورده كاتب هذا المؤلف باولو ماتياي عن المادة: «حظي الاكتشاف المزدوج للقصر الملكي G والأرشيفات الملكية في إبلا بتغطية بارزة في الصحافة الدولية الأكثر شهرة، على الرغم من حدوث بعض الالتباس من خلال ادّعاءات جي بتيناتو المتكررة التي لا أساس لها عن الارتباط المزعوم بين نصوص إبلا وتأويلات العهد القديم.

لم يثر هذا فقط الاهتمام غير الصحي تقريباً للدوائر الأنغلوساكسونية، والأميركية على وجه الخصوص، المتلهّفة لتخيل «علاقة إبراهيم» غير المنطقية بالنصوص السورية القديمة، بل اتخذ شكلاً أكثر تحديداً من حملة صحافية عدوانية وغير مبررة وغير لائقة ضد السلطات السورية التي اتُّهمت باطلاً بتأخير نشر النصوص بسبب الروابط المفترضة بين إبلا و«الكتاب المقدس»»، دوماً وفق كلمات الكاتب الإيطالي.

قدّم باولو ماتياي في كتابه هذا نتائج 47 عاماً من الحفريات في هذا الموقع الرائع، ليقدم وصفاً تفصيلياً لتاريخ إبلا وآثارها. إذ نمت من مستوطنة صغيرة من العصر البرونزي المبكر إلى مركز تجاري وسياسي مهم استمر حتى تدميره النهائي في عام 1600 ق ت ش.

إقرأ أيضاً :  بثينة شعبان: المؤيدين للعقوبات والصامتين عنها شركاء بالجريمة

لقد كان تدمير قصرها الملكي عام 2300 ق ت ش ذا أهمية خاصة لأن حرقه قاد إلى الحفاظ على أرشيف المدينة الغني الذي حوى ثروة من المعلومات حول تاريخها واقتصادها وديانتها وإدارتها وحياتها اليومية. أهل الاختصاص يعتبرون اكتشاف إبلا لحظة محورية في تاريخ التحقيقات الأثرية في القرن العشرين.

يقول المؤلَّف إن إبلا عاشت كونها مركزاً حضرياً، في ثلاث فترات ازدهار كبيرة: في «الفترة السورية المبكرة الناضجة» بين عامَي 2400 و2300 ق ت ش، وفي أواخر «الفترة السورية المبكرة» بين عامَي 2200 و2300 ق ت ش، وفي «العصور القديمة والسورية الناضجة» بين عامَي 2000 و1600 ق ت ش.

وكل مرحلة من هذه المراحل الرئيسة انتهت إلى تدمير كبير: المرحلة الأولى، حوالى عام 2300 ق ت ش، كانت على يد الجيش الأكادي بقيادة سرجون مؤسس السلالة؛ دمار المرحلة الثانية حوالى عام 2000 ق ت ش، غير معروف السبب.

أما الدمار الثالث والأخير فكان حوالى عام 1600 ق ت ش، على يد تحالف الحثيين والحوريين على ما يُظن.

في «الفترة السورية المبكرة»، كانت إبلا أهم مدن شمالي سوريا. أقامت علاقات سياسية وتجارية مع سومر وأكاد، وربما مع مصر الفرعونية.

وقد تحكّمت إبلا في طرق التجارة الدولية بين الفرات والبحر الأبيض المتوسط، التي كانت تحمل الفضة نحو بلاد ما بين النهرين، والأخشاب إليها وإلى مصر أيضاً، واللازورد من أفغانستان، وربما الذهب النوبي.

وقد تطورت إبلا في غضون عقود قليلة من دولة-مدينة قوية إلى عاصمة لدولة إقليمية منتشرة على نطاق واسع في شمالي سوريا الداخلية، من المنطقة الواقعة جنوب جبال طوروس إلى منطقة حمص، وضمّت في مراحلها بلاد الشام جميعها وحتى أقسام من شبه جزيرة سناء،

بينما طورت في سنوات الأرشيف الملكي طموحات إمبراطورية، تُجاري ماري، لكنها اضطرت أخيراً للاستسلام للقوة العسكرية لسرجون الذي كان يرغب في إنهاء السيطرة التي كانت تفرضها إبلا على طرق التجارة من بلاد ما بين النهرين إلى مصر.

إقرأ أيضاً :  عودة متوقعة لأسراب الجراد خلال اليومين القادمين

في أواخر «الفترة السورية المبكرة»، ازدهرت إبلا مرة أخرى بعد مرحلة غامضة، وأصبحت مرة أخرى مركزاً تجارياً له بعض الأهمية، كما هو موثّق في نصوص لكش وأور، حيث ذكرت كونها منطقة مصدر للأخشاب الثمينة لمباني العبادة. هذه المرحلة انتهت بشكل مأساوي، مع تدمير جذري للمدينة، خلال فترة أزمة مناخية جزئية محتملة للغاية، وثروة اقتصادية محدودة، وتوترات اجتماعية قوية.

بدأ التنقيب في التل المعروف الآن بأنه موقع إبلا في عام 1964 مع فريق من علماء الآثار من جامعة روما بقيادة باولو ماتياي حيث عثر عام 1975 على أرشيف إبلا الذي يعود تاريخها إلى الألفية الثالثة ق ت ش، وضمّ أكثر من 17 ألف لوح مسماري وشظايا من الطين، بالترتيب الذي تم تخزينها به في السابق على رفوفها المنهارة،

ما وفّر مصدراً غنياً للمعلومات حول المدينة التي سيطرت على محيطها عبر الاقتصاد وليس الجيوش. فقد بيّن الأرشيف أن ازدهار إبلا نشأ من الأراضي الزراعية النائية في السهل الغني لشمالي سوريا، حيث تمت زراعة الشعير والقمح والزيتون والتين والعنب والرمان والكتان، إضافة إلى تربية الماشية والأغنام والماعز والخنازير.

هذا الازدهار الاقتصادي مكّن المدينة من السيطرة على 17 مدينة/ دولة في ما يُعرف الآن بلبنان وجنوب شرقي تركيا، وهي مناطق كانت غنية بالفضة والأخشاب. كما كانت المدينة مركزاً للتصنيع والتوزيع، وكان الكتان والصوف، بما في ذلك القماش الدمشقي، من منتجات الإقليم الرئيسة. احتلّت أعمال المعادن، بما في ذلك صهر الذهب والفضة والنحاس والقصدير والرصاص، المرتبة الثانية من حيث الأهمية.

وكانت «النجارة» وإنتاج زيت الزيتون والنبيذ والبيرة مهمة أيضاً. وقد كانت التجارة داعمة لاقتصاد إبلا، وكانت الملابس والسلع المصنّعة وزيت الزيتون من أهم صادراتها. وشملت الواردات الذهب والفضة والنحاس والقصدير والأحجار الكريمة والأغنام. كما أسهم موقعها الجغرافي في نمو ثراء المدينة من تجارة الترانزيت. فقد تم نقل المواد من إيران والأناضول وقبرص إلى دول بعيدة مثل سومر ومصر.

إقرأ أيضاً :  سوري هرب من التعذيب بتركيا فواجه السجن في اليونان!

ديانة إبلا كانت متعددة الآلهة وفي الأساس كنعانية. كان دبير إله المدينة الراعي، إضافة إلى دجن وحدد وعشتروت وغيرهم. أما لغتها فكانت لهجة كنعانية غير معروفة حتى الآن، على ما يقول المؤلف، وهي أقرب ما تكون إلى اللغات السامية الشمالية الغربية.

رغم الدمار النهائي لإبلا في مرحلة الاضطرابات الكبيرة التي اجتاحت الشرق الأوسط بين عامَي 1650 و1600 ق ت ش، فإن العديد من الحرف والتقاليد التي نشأت في المدينة عاشت في الثقافة السورية، دوماً بحسب المؤلف.

الكاتب باولو ماتياي، مدير الحفريات في تل مرديخ (إبلا) منذ بداياتها عام 1964 حتى توقف العمل في عام 2010 بسبب اندلاع الحرب في سوريا وعليها، يعرض الفترات الرئيسة الثلاث، بتفاصيل دقيقة عبر 12 فصلاً هي: من تل مرديخ إلى إبلا: التنقيب عن الآثار، إبلا والتحضر المبكر في سوريا، إبلا، ماري، أكاد: من دول المدينة إلى الإمبراطورية، القصر الملكي في عصر المحفوظات: فضاء ووظيفة، الديانة السورية المبكرة والمعبد الأحمر ومعبد الصخرة،

أرشيف الدولة: الاقتصاد والثقافة والمجتمع، التعبيرات الفنية والثقافة المادية في العصر السوري المبكر الناضج، أزمة العالم السوري المبكر والنهضة السورية القديمة، من إبلا إلى يمحاض: الدول الإقليمية في العصر الأموري/العموري، تخطيط المدن والعمارة في المدينة السورية القديمة، الثقافة الفنية السورية القديمة: الأصالة والاستمرارية، الثقافة المادية السورية القديمة: خصائصها وتطورها، من إبلا إلى تل مرديخ: تدهور مركز حضري كبير.

الأخبار-زياد منى

اقرأ ايضاً :تضارب تصريحات وزير النفط العراقي حول استيراد الغاز من سوريا