الثلاثاء , أغسطس 3 2021

سيناريوات ما بعد الرئاسيات: تحوّلات لمصلحة دمشق؟

سيناريوات ما بعد الرئاسيات: تحوّلات لمصلحة دمشق؟

يكتسب الحديث حول المستقبل السياسي في سوريا، على المستويَين الداخلي الخارجي، زخماً متزايداً، في أعقاب إجراء

الانتخابات الرئاسية وإعادة انتخاب الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة يُفترض أن تمتدّ لسبع سنوات قادمة. ويدور الحديث الدائر في

دمشق وموسكو وواشنطن، وعدد من العواصم الإقليمية، بشكل خاص، حول احتمال إعادة تطبيع العلاقات بين سوريا والدول

العربية، وما سينطوي عليه ذلك من اعتراف بشرعية الحكم في دمشق، وما قد يعقبه أيضاً من دفع لعملية إعادة الإعمار قُدُماً.

وتشير المواقف المحتفية بإجراء الانتخابات الرئاسية، وخصوصاً من موسكو وطهران، إلى إصرار لدى حلفاء دمشق على استكمال

دعم وجود الأسد على رأس السلطة، في مقابل غياب المواقف السلبية المعتادة من قِبَل عدد من العواصم العربية تجاه إعادة

انتخابه، ولا سيما من الرياض وأبو ظبي والقاهرة في المرتبة الأولى، وعمّان ومسقط وبغداد والمنامة في المرتبة الثانية، الأمر

الذي يشير إلى اقتناع متزايد لدى تلك العواصم بأهمية تطبيع العلاقات مع سوريا، تمهيداً لإعادة الأخيرة إلى «الجامعة العربية»

لاحقاً، وفق ما تأمل به دمشق، وتسعى إليه موسكو. في المقابل، تشير مواقف الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة

الأميركية، المتشدّدة حيال الانتخابات، إلى استمرار الغرب في سياسة عزل سوريا وحصارها، سياسياً واقتصادياً، في انتظار

متغيّرات جذرية كفيلة بقلب المشهد.

فرصة الانتخابات

وتوفّر الانتخابات فرصة مناسبة للدول المقتنعة في الأصل بضرورة التعامل مع القيادة السورية الحالية. إذ من وجهة نظر هذه

الدول، ليس مهمّاً الشكل الذي بدت عليه العملية الانتخابية، ولا مواقف الغرب منها، بل المهمّ هو أنها ثبّتت الأسد رئيساً لسبع

سنوات جديدة ــــ إذا لم يحدث تغيّر جذري ــــ، وهو أمر ملموس يمكن بناء السياسات على أساسه، بعكس العملية السياسية

إقرأ أيضاً :  هل سيبقى “حسين عرنوس” على رأس الحكومة القادمة؟

التي تقودها الأمم المتحدة، والتي لم تُحقّق أيّ نتائج ملموسة على مدى السنوات السابقة، ولم تغيّر في المشهد السوري

العام شيئاً يُذكر، يَمنح دولاً مقتنعة بضرورة إعادة العلاقات مع سوريا، فرصاً مع غير الأسد، أفضل من الفرص الحالية مع الأسد.

وعلى نطاق أوسع، حفّزت مجموعة من المخاوف لدى العواصم العربية، عملية تطبيع العلاقات مع دمشق، من مثل احتواء النفوذ

الإيراني، والتخفيف من التزامات استضافة اللاجئين، وتجنّب المزيد من عدم الاستقرار والاضطرابات الناجمة عن تداعيات الأزمة

السورية. وبالتأكيد، فإنه لن يتمّ تخفيض مستوى هذه المخاوف من خلال النهج الحالي الذي يتبنّاه «المجتمع الدولي»، والذي

أنتج فراغاً دبلوماسياً مطوّلاً، ولامبالاة استراتيجية على نطاق واسع، في المنطقة والعالم، تجاه الملف السوري.

وبالتالي، ففي العديد من الدول العربية، باستثناء قطر التي أكد وزير خارجيتها قبل أيام أن «الدوحة لا تسعى لإعادة العلاقات

الدبلوماسية مع سوريا طالما لم يحدث تغيير على الأرض»، يشكّل تطبيع العلاقات مع دمشق، مسألة وقت فقط. ولا يتعلّق الأمر

فقط بطموح اقتصادي لدى تلك الدول، بل هو يعود بالأساس إلى بحثها عن فرص تنمية نفوذها في سوريا، حيث أصبحت القوى

الدولية، كروسيا والولايات المتحدة، والدول غير العربية المنافِسة للدول العربية وخصوصاً الخليجية، كتركيا وإيران، هي الجهات

الفاعلة الرئيسة في المسألة السورية. وفي هذه المرحلة، يبدو التطبيع «التدريجي» أكثر ترجيحاً، حيث تركّز الدول العربية الراغبة

بعودة العلاقات مع سوريا، على ملفّات كإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية والمشاريع الأقلّ إثارة للجدل، بهدف تعزيز وجودها

في هذا البلد، والالتفاف على الموانع الغربية، وخصوصاً الأميركية.

يشعر أطراف المعارضة الذين يشاركون في مفاوضات «الدستورية» بحالة من التململ واليأس

إقرأ أيضاً :  اتفاق جديد يعيد النفوذ السوري الى لبنان

في هذا السياق، تحضر مسألة السياسة الأميركية تجاه سوريا، والتي لا تزال قيد المراجعة في مكاتب إدارة جو بايدن، بعدما

ارتكبت الولايات المتحدة عدداً من «الهفوات»، بنظر عدد من المنظّرين التقليديين الأميركيين، منذ اندلاع الأحداث عام 2011. ويرى

هؤلاء أن بعض تلك الهفوات نتج من «مخاوف وحسابات مشروعة»، إلّا أنهم يؤكدون أن «السماح بإعادة إضفاء الشرعية على نظام

الأسد سيشكّل خطأً استراتيجياً فادحاً لا يمكن تفسيره، من شأنه أن يقوّض الوعد المتكرّر لإدارة بايدن بوضع حقوق الإنسان في

قلب سياستها الخارجية». ومن هنا، يعتقدون أن «على الإدارة الأميركية أن تولي اهتماماً وثيقاً باندفاع حلفائها لتطبيع العلاقات

مع نظام الأسد، وأن تعمل جاهدة على ثنيهم عن اتّباع هذا المسار الخطير وغير الحكيم والقصير النظر». وإذ يعتبر بعضهم أنه

«ربّما قد فات الأوان» أمام واشنطن لمنع عملية تطبيع العلاقات العربية ــــ السورية، لكن «يجدر بواشنطن أن تدافع عن موقفها

في سوريا، وتستعيد مصداقيتها مع الشعب السوري، أو ستواجه عواقب أكبر من تلك التي سبق وأحدثها صراعٌ أثبت مراراً وتكراراً

أن ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا».

تحدّي المسار الدستوري

على صعيد موازٍ، تزداد التساؤلات حول مستقبل عمل «اللجنة الدستورية»، والمسارات التفاوضية الموازية لها. في 28 أيار/ مايو

الفائت، أرسل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، برقية إلى الأسد، أكّد فيها اعتزام روسيا مواصلة العمل على «تسوية سياسية».

وقبل يومين، أعلن المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط ودول أفريقيا، ميخائيل بوغدانوف، أن «إجراء انتخابات

مبكرة في سوريا خيار محتمل، في حال نجاح الحكومة والمعارضة هناك في إجراء إصلاح دستوري»، معرباً عن أمل بلاده في أن

يتمكّن المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسن، من «تنظيم اجتماع جديد للجنة الدستورية السورية في المستقبل

إقرأ أيضاً :  القبض على سوريين اثنين ملفوفين بورق قصدير في مطار أتاتورك.. ما قصتهما؟

القريب». وأشار إلى أن «هناك خططاً لعقد اجتماع جديد بصيغة أستانا في عاصمة كازاخستان بحلول نهاية الشهر الجاري».

وتشير التصريحات الروسية هذه إلى عدم اكتفاء موسكو بإعادة انتخاب الأسد، واعتبار ذلك فرصة لدفن أيّ حلول سياسية محتملة

للأزمة السورية، خصوصاً في ظلّ الحديث عن إمكانية إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، قبل انتهاء ولاية الأسد الجديدة.

لكن في المقابل، يشعر أطراف المعارضة الذين يشاركون في مفاوضات «اللجنة الدستورية» بحالة من التململ واليأس عقب

إعادة انتخاب الأسد، في ظلّ سعي بعض الدول العربية إلى إعادة تطبيع العلاقات معه، وبالتالي تخلّيها بجزء كبير عن دعم قوى

المعارضة. ولا يجد هؤلاء سوى دعم تركي أساسي لهم، ويلقون بالمسؤولية على عاتق روسيا، الضامنة لسوريا في العملية

السياسية. ويرى عضو «هيئة التفاوض السورية»، وعضو «اللجنة الدستورية» طارق الكردي، في تصريح إلى وكالة «الأناضول»

التركية، أن «نظام الأسد لا يريد الحلّ السياسي، ودائماً كان نهجه هو الحلّ العسكري»، معتبراً أن «المسؤولية الكبرى تقع على

عاتق حلفاء النظام، وفي مقدّمتهم روسيا، الضامن للنظام في العملية السياسية بشكل عام، ولجنة صياغة الدستور بشكل

خاص». ويضيف: «نريد أن نرى أفعالاً من الطرف الروسي وليس أقوالاً فقط، عبر إلزام نظام الأسد بالالتزام الكامل بالعملية

السياسية». ويقول عضو «اللجنة الدستورية»، عضو «الائتلاف الوطني السوري» عبد المجيد بركات، بدوره إن «ما قام به النظام

في مسرحيته الانتخابية… أطلق رصاصة الرحمة على هذه العملية، وأدخلها الموت السريري»، متابعاً أنه «إن لم تكن هناك

ضوابط تُلزم الأطراف بالعملية السياسية، وجدول زمني لها، فلن تكون سوى عملية عصف ذهني يستفيد منها النظام فقط».

الأخبار اللبنانية