الجمعة , يوليو 30 2021
الصراع على الممرات المائية قنبلة موقوتة

الصراع على الممرات المائية قنبلة موقوتة

الصراع على الممرات المائية قنبلة موقوتة

على مدار الأسبوع الماضي وحتى الأمس، ترقبّت دول العالم قاطبة اجتماعات “أوبك+” التي شهدت تباينات في وجهات النظر أدّت إلى تأجيل القرار بشأن مستوى الإنتاج على مصدر الطاقة الأول في العالم والذي يتأثر بدوره بعوامل عدة منها صحية واقتصادية وسياسية وجيوسياسية، خصوصًا في ما يتعلق بمسارات النقل البحري التي تشهد بدورها تجاذبات وصراعات بين القوى العالمية حول رسم خارطة نفوذ لكل منها.

بالتزامن مع مباحثات الدول المنتجة للنفط، تعيش الساحة العالمية صراعات بين القوى الكبرى، خصوصًا في البحار والمحيطات والتي يشكل بعضها شريانًا حيويًا لإمداد الدول بالطاقة بحكم مسارات ومضائق نقلها.

هذا المشهد السائد حاليًا يمكن إسقاطه على التوتر القائم في البحر الأسود بين روسيا وحلف شمال الأطلسي “الناتو” والذي يعتبر مسارًا حيويًا لنقل روسيا غازها نحو تركيا، وبالأهمية ذاتها يأتي بحر الصين الجنوبي، حيث يمرّ عبر مضائقه نحو 80% من نفط الخليج العربي إلى الصين، كما يعدّ الممرّ البحري الأكثر أمانًا لنفط الخليج تجاه الدول الصناعية في شرق آسيا، فيما يُرسل عبره ثلث الإنتاج العالمي من النفط ونصف الإنتاج العالمي من الغاز، بعدما تحوّل مؤخرًا إلى مسرح نزاع بين قوى العالم، تحديدًا بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في تجمع “كواد” (اليابان والهند واستراليا من جهة والصين من جهة أخرى.

إقرأ أيضاً :  زعيم المعارضة التركية يتعهد بإعادة السوريين لبلادهم: «سنعيد العلاقات مع دمشق»

تكتسب المعابر والممرات المائية أهمية بالغة من الناحية الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى، حيث اهتدى العالم إلى حقيقة أن الموارد المائية تشكل عصر الصراعات الجيو-استراتيجية، وتجدر الإشارة هنا إلى أن علم الجيو-استراتيجيا وُلِد من رحم العلاقات الدولية التي أقيمت إثر الملاحة البحرية عبر قناة السويس بدلاً من الممرات البعيدة على غرار رأس الرجاء الصالح في جنوب غرب دولة جنوب إفريقيا والمحيط الأطلسي.

أصبحت هذه المعابر تكتسي هذا البعد الاستراتيجي ليست لأنها مجرد المنافذ الطبيعية لحركة السفن وناقلات البترول والغاز الطبيعي والبضائع الاستهلاكية الأخرى فحسب، بل لأنها أضحت رصيدًا حيويًا لبعض الدول، حيث أن عواصم القرارات التي تتحكم بهذه الممرات المائية تفرض تعريفات جمركية وتمضي قدمًا بإنشاء تحالفاتها السياسية بناءً على قربها أو بعدها من دول معينة، إذ يمكن القول أن هناك معاملات تفضيلية لبعض الدول دون سواها.

نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر مضيق هرمز الذي بات يكتسي أهمية قصوى بعد تعرض بعض السفن فيه، منذ بضعة أعوام، لهجمات ما انعكس ارتفاعًا في الأسعار على سوق النفط العالمي، نظرًا لما تمثله هذه المضائق من دينامية تتهددها الهجمات على الذهب الأسود وتاليًا على مستقبل تزويد المصانع والسيارات والمؤسسات والمنشآت كافة. إذا باختصار شديد يمكن القول إن هناك علاقة عضوية متشابكة بين هذه الممرات والمرافئ البحرية وبين حركة التجارة العالمية.

إقرأ أيضاً :  أكراد سوريا يردون على تصريحات لافروف حول الحوار مع دمشق

وإزاء ذلك كله، كان لافتًا موقف الولايات المتحدة الأميركية الأخير بخصوص البحر الأسود وقولها أنه ليس ملكًا لأحد وأن ذهنية الحرب الباردة التي خلّفها الصراع مع الاتحاد السوفياتي سابقًا، قد عفا عليها الزمن، وقد يُعزى هذا التصريح إلى خشية واشنطن من النفوذين الروسي والصيني واللذين لا ينطويان على تغيير في توازن القوى فحسب بل على التنافس الشرس أيضًا.

الواقع أنه منذ بداية حقبة الرئيس الأميركي جو بايدن، تحوّلت الاستراتيجية الدولية الأميركية نحو التركيز على محاولة احتواء هذين المدَّيْن، في وقت يكتسي البحر الأسود أهمية متعاظمة في ظل التنافس العسكري لتوسيع رقعة نفوذ بعض الدول، فضلاً عن الأهمية التجارية على مستوى حركة السفن، وصولاً إلى البعد الاستراتيجي من خلال التنافس على المناطق اليابسة المحيطة بالبحر الأسود، ما يشي باقتراب العالم من شفا حرب باردة بفعل الأهمية الإستراتيجية للبحر الأسود والتي تراهن عليها كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة.

ويلاحظ الآن أن مناطق النفوذ المتنازع عليها أصبحت تتركز في نقاط معينة على غرار البحر الأسود، والقطب الشمالي وبعض المناطق الأخرى في الخليج، وهذا يؤكد بالفعل أنه لا يمكن لأي قوة عظمى أن تهيمن على حركية ودينامية ميزان القوى الذي يعتبر صُلب العلاقات الدولية والتنافس في ما بينها والذي في أحيان كثيرة يمكن أن يتوسع إلى أزمات وربما إلى حروب.

إقرأ أيضاً :  رسائل سرية إلى مقاتلي الإيغور في سوريا.. الصين تدخل على خط المواجهة

في المحصلة، سيبقى الاقتصاد العالمي عمومًا، وسوق الطاقة خصوصًا، أسير تعاظم الأهمية الحيوية لهذه البحار وصراع النفوذ عليها ما سينعكس حتمًا على مدى درجة الاستقرار أو تصاعد حدة التوتر. وهذا ما يدفع الى التساؤل عن تداعيات الصراعات العالمية في البحار والمحيطات على سوق النفط العالمية؟

هادي جان بو شعيا
لعبة الأمم

اقرأ ايضاً:الأردن يتجه للاستثمار في سوريا.. 600 شركة يسهم فيها رجال أعمال أردنيين