الأحد , سبتمبر 19 2021
إمبراطورة روسيا وعشيقها القديم

إمبراطورة روسيا وعشيقها القديم.. جعلته ملكًا على بولندا ثم مسحتها من الخريطة

إمبراطورة روسيا وعشيقها القديم.. جعلته ملكًا على بولندا ثم مسحتها من الخريطة

تمتلئ صفحات التاريخ بالعديد من المواقف التي يتصادم فيها الحب والحرب، وتتنازع فيها حتميات البراجماتية السياسية مع حظوظ القلب والمشاعر. في السطور القادمة سنعود قرنيْن ونصفٍ إلى الوراء، إلى النصف الثاني من القرن الـ18، والذي أثقلتْه في كتب التاريخ العديد من التحولات الكبرى فكريًّا وسياسيًّا في كافة أنحاء العالم.

ومن شخصيات ذلك القرن المحورية، الإمبراطورة كاترين العظيمة، كما كانت تُلقَّب، واحدة من أبرز حكام الإمبراطورية الروسية، التي رغمَ بعض صفاتها الغريبة، والكثير من جوانب حياتيْها الشخصية والسياسية المثيرة للجدل والآراء شديدة التباين، إلا أنَّها استطاعت تعزيز مكانة روسيا بوصفها إمبراطوريةً عظمى، وتقدَّمت لإخراجها من عزلتها الباردة في الركن الشمالي الشرقي من العالم، وفي عهدها أضافت أكثر من نصف مليون كيلومتر مربع إلى الخريطة الروسية، جعلت إمبراطوريتها أقرب إلى المناطق الدافئة من العالم، بضمها لأجزاءٍ واسعة من القوقاز، وشبه جزيرة القرم على حساب العثمانيين، وشرق أوروبا، على حساب «كومنولث ليتوانيا بولندا»، الذي أسهمت كاترين في تفكيكه ومسحه.

وعلى ذكر بولندا، كان الشأن البولندي أحد أبرز الخطوط المهمة في حياة كاترين العظيمة، وبالأخص عندما تقاطعَت حياتها مع حياة الأمير البولندي الوسيم وواسع الثقافة، ستانيسلوس بونياتوفسكي، والذي لعب أدوارًا عديدة على مسرح كاترين الدرامي، بدأت بالصديق المُبهر بثقافته ولغته واطلاعه وأسفاره، فالعشيق الذي ولدت منه طفلتَها أنَّا، مرورًا بالصنيع والحليف السياسي، وانتهاء بكونه الخصم العتيد الذي أخضعته بالقوة، ثم وأدَت مشروعه السياسي المتمرد.

كاترين.. طفولة صعبة وزواج متعثر

وُلِدَت صوفيا أجوستوسا فريدريكا، والتي ستحمل فيما بعد الاسم واللقب الأشهر في تاريخ ملكات روسيا، كاترين العظيمة، عام 1729، في ميناء ستيتن المنعزل على ساحل بحر البلطيق، والذي كان والدها الأمير البروسي متوسط الرتبة قائدًا لحاميته، ثم حاكمًا له.

عانت كاترين من طفولةٍ قاسية بسبب نفور أمها منها، وتدليلها لأخيها الأصغر؛ ما سبب لكاترين اضطرابًا عاطفيًّا جذريًّا كان له بعيد الأثر في تشكيل شخصيتها وحياتها القادمة، وقادتها مجموعة من الصدف السعيدة إلى الحدث الذي سيغير حياتها، فبينما كانت ما تزال في العاشرة من عمرها، أصبح خالها الأمير وصيًّا على الأمير الصبي بيتر أورليتش، الحفيد الوحيد للقيصر الروسي الأشهر بطرس الأكبر، ثم في عام 1743، نصَّبته إمبراطورة روسيا، إليزابيث الأولى، وليًّا لعهد روسيا.

قرابةٌ بعيدة وصداقة كانت مزدهرة جمعت بين أم كاترين، والإمبراطورة الروسية إليزابيث، تُوِّجَت عام 1745 بتزويج كاترين ذات الـ15 عامًا من ولي العهد الروسي بيتر أورليتش، ولكنها صُدِمت من بروده معها منذ أول أيامهما، ومن البداية كانت علاقتهما فاترة ففتح هذا الباب لعلاقات أخرى.

فمثلًا، رغم إلحاح الإمبراطورة إليزابيث على الزوجين بيتر وكاترين لإنجاب وليٍّ للعهد، وإرسالها الخادمات للتلصص على الزوجيْن في خلوتهما، فإن بيتر اعتزل زوجته كاترين لأعوام، ولمَّحت كاترين في مذكراتها صحة ما ذاع آنذاك من شائعات عن علاقتها غير الشرعية مع أحد شباب البلاط الروسي ويُدعى سالتيكوف، الذي أنجبت منه ولي العهد الصغير بول، الذي سيُنسَب إلى زوجها ولي العهد الروسي بيتر أولريتش، بل وذكرت كاترين أن الإمبراطورة إليزابيث قد تغاضت بشكلٍ أو بآخر عن تلك العلاقة من أجل الحصول على ولي عهدٍ صغير انتظرتهُ طويلًا.

إمبراطورة روسيا وعشيقها القديم
رسمٌ للإمبراطورة كاترين. مصدر الصورة: ويكي

لم تكن العلاقة مع سالتيكوف هي الوحيدة لكاترين خارج إطار زواجها الضعيف، إذ ستتبعها عدة علاقات أخرى، ولكن لم تكن تلك العلاقات الهمَّ الأوحد للأميرة الطموحة، التي لم تتردَّد في تغيير مذهبها من البروتستانتية التي أنشأها عليها أبوها المتدين، إلى الأرثوذكسية الروسية، وقضت جُلَّ وقتها في تثقيف نفسها ومطالعة كتابات فلاسفة التنوير الأوروبيين، وأتقنت اللغة الروسية، وعملت على كسب ود شرائح كبيرة من عامة الروس وخاصتهم.

تلك المؤهلات مكَّنت كاترين ألمانية الأصول، من أن تحظى بثقة الكثيرين في روسيا، والذين وقفوا بجانبها عندما تصاعدت للذروة خلافاتها مع زوجها الذي أصبح إمبراطورًا بعد وفاة خالته عام 1762، وتلقَّب ببطرس أو بيتر الثالث، وأثار عداوات النخبة السياسية ضدَّه بتحالفه مع بروسيا، العدو اللدود لروسيا آنذاك، فانتزعت منه كاترين العرش بانقلابٍ أبيض صيف عام 1762، أي إنه لم يكمل عامًا واحدًا، ولم يطرفْ لأحد جفن عندما قُتِل في شجار مع حراسه بعد أيامٍ قليلة من عزله.

العاشقان

في يومٍ صيفي عامَ 1756، اصطحبت الدوقة العظمى كاترين ضيفيْن لها في جولة داخل قصرها، وأمام غرفة نومها الخاصة، ثارت ثائرة كلب الحراسة على أحد الضيفيْن، وأظهر تودُّدًا عجيبًا نحو الآخر، وكأنه يعرفه ومعتادٌ على استقباله، كان هذا الضيف الأخير هو ستانيسلوس بونياتوفسكي، والآن نعود لأشهر قبل تلك الواقعة، لنعرف سر تودُّد هذا الكلب لبونياتوفسكي.

في يونيو (حزيران) 1755، وأثناء عشاءٍ رسمي في سان بطرسبرج، حضره السفير الإنجليزي في روسيا هانبري ويليامز، تعرَّفت كاترين – آنذاك زوجة ولي العهد الروسي- إلى بونياتوفسكي للمرة الأولى، وكان حينها يعمل سكرتيرًا للسفير الإنجليزي الذي جاء إلى روسيا بمهمة شديدة الخطورة؛ هي إقناع الإمبراطورة الروسية إليزابيث بتجديد معاهدة للتحالف بين إنجلترا وروسيا، تتضمنُ التدخل الروسي عسكريًّا إلى جانب إنجلترا في حال هاجمت بروسيا مقاطعة هانوفر التابعة آنذاك للإنجليز.

إقرأ أيضاً :  علماء آثار يؤكدون أن شبه الجزيرة العربية كانت مساحات خضراء قبل 400 ألف سنة

كان ستانيسلوف بونياتوفسكي، صاحب الـ23 عامًا آنذاك، شابًا وسيمًا وذكيًّا، ينحدرُ من عائلة بولندية نبيلة تشتهر بولائها لروسيا، أرسلته عائلته ليجول في أنحاء أوروبا لاكتساب العلم والتجارب، لا سيَّما في فرنسا وإنجلترا، قبل أن يتجه إلى روسيا، وسرعان ما انجذبت كاترين لبونياتوفسكي، لرقته ومعرفته، واطِّلاعه الواسع على شؤون أوروبا، وتطوَّرت علاقتهما إلى علاقة جنسية.

ويُذكَر أن السلطات الإنجليزية شجَّعت سفيرها في روسيا على دعم العلاقة بشكلٍ غير مباشر، فقد رأى فيها الإنجليز قابليةً للاستثمار السياسي، بتحصيل ولاء إحدى الشخصيات المؤثرة في البلاط الروسي وهي كاترين.

وفي ديسمبر (كانون الأول) عامَ 1757، ولدت كاترين ابنتَها من بونياتوفسكي، أنَّا، ولكنها تُوُفِّيَت بعد 15 شهرًا فحسب لأسباب صحية، واستمرت علاقة كاترين بعشيقها لأشهر بعد ولادة الطفلة، ووصلت العلاقة إلى مستوى جديد في العام التالي، حين أظهر زوجها بيتر عدمَ اكتراثه بعلاقة زوجته بعشيقها، وصارَ يدعو بونياتوفسكي للقاء كاترين في غرفتها الخاصة، ويُخلي لهما الأجواء، ثم ينصرف مع عشيقةٍ له من سيدات البلاط.

لكن عام 1758، أًجبِرَ بونياتوفسكي على مغادرة روسيا بأمرٍ من الملكة إليزابيث بعد تورِّطه في مؤامرةٍ ضدَّ الملكة، وبعد افتضاح أمر علاقته بكاترين، وهكذا انقطعت العلاقة الغرامية بينهما، ليبدأ فصل أطول كثيرًا وأشد تعقيدًا.

الصعود السياسي.. بونياتوفسكي الثاني ملكًا لبولندا

شهد عام 966م، حدثًا تأسيسيًّا فارقًا في تاريخ بولندا، حين اعتنق المسيحية الدوق مييشكو الأول، أحد زعماء القبائل السلافية في شرقي أوروبا، وبدأ نشرها بين الخاضعين لنفوذه، وكانت هذه هي نواة تأسيس مملكة بولندا المسيحية الكاثوليكية، التي ظلَّ تأثير كنيستها حاضرًا حتى اليوم في السياسة والحياة البولندية.

في منتصف القرن الـ14، اتحدَّت مملكتا بولندا وليتوانيا، لتكوَّنا ما عُرفَ تاريخيًّا بـ«الكومنولث الليتواني-البولندي»، بزواج ملكة بولندا من ولي عهد ليتوانيا. وأصبحَ هذا الكيان من أبرز القوى في شرقي أوروبا، ولكنه لم يبلغْ عصرَه الذهبي إلا في القرن 16، والنصف الأول من الذي يليه، حين تطور سياسيًّا إلى ما يشبه الملكية النيابية، فيها مجلسٌ تشريعيٌّ مكوَّنٌ من أعيان ونبلاء بصلاحيات واسعة في التشريع والرقابة، ولكن تدهورت أوضاع الاتحاد كثيرًا في العقود التالية مع تفاقم الاضطرابات الداخلية، وصراعات النفوذ المحلية، وضعف السلطة المركزية وفسادها، وتوغُّلات القوى الخارجية مثل السويد وروسيا وبروسيا.

ومع تضافر هذه الظروف، أصبحت هذه المملكة في ظرف لا تُحسد عليه، إذ أحاطَت بها ثلاث قوى أوروبية قوية، بمطامع إستراتيجية لا نهايةَ لها: روسيا الصاعدة بقوة في مسرح الأحداث العالمي في عصر ملكتها الأشهر كاترين العظيمة (1762- 1796)، وبروسيا، أقوى الممالك الألمانية، وصاحبة واحد من أقوى الجيوش وأكثرها تنظيمًا في العالم، وإمبراطورية النمسا، ذات الثقل الكبير في شرقي ووسط أوروبا، ولم يكن من مصلحة أيٍّ من القوى الثلاث أن تكون بولندا مملكةً قويةً مستقلةً بشؤون سياستها وحربها.

وفي كتاب «كاترين العظيمة.. وصف امرأة»، يصفُ الكاتب روبرت ماسي كيف تعمَّقت الفوضى السياسية في بولندا خلال تلك الفترة، بتصارع النخب والنبلاء فوقَ كل الاعتبارات، وأصبح لكل مجموعة ولاء خارجي لإحدى تلك الدول الكبرى الثلاث.

عامَ 1764، توفي ملك بولندا أوجستوس الساكسوني، ودخلت القوى الكبرى في تنافسٍ محموم لحسم ملف خلافته، ولكن كاترين كانت أسبق بخطوة دائمًا؛ إذ بدأت جهودها في هذا الملف قبل عامين مع وصولها للسلطة بالتزامن مع مرض الملك البولندي.

Embed from Getty Images

رسم للملك ستانيسلوس بونياتوفسكي

أوصَت كاترين سفيرها الجديد إلى بولندا بشراء ولاء وذمم النخب المؤثرة في بولندا بسقفٍ مالي مفتوح، لضمان اختيارهم لمرشحها، وعشيقها السابق، ستانيسلوس بونياتوفسكي، ليكونَ ملكًا لبولندا بمجرد وفاة أوجستوس، وأمرت الإمبراطورة الدؤوبة بتحريك ما يقرب من 30 ألف جندي روسي إلى مقربة من الحدود البولندية في استعراض للقوة برسالة واضحة.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، ضمنت كاترين دعمَ فريدريك الثاني ملك بروسيا لاختيار بونياتوفسكي، مقابل منح الأخير معاهدة دفاع مشترك بين روسيا وبروسيا، احتاجها في مواجهة تكتل أعدائه من حوله: النمسا وفرنسا، ولضمان تحييد روسيا التي كان تحالفها مع أعدائه في حرب السنوات السبع 1756-1763 كارثيًّا عليه، وكاد يذهب بمُلكه، وتأكيدًا على دعم فريدريك لجهود كاترين، منحَ بونياتوفسكي أعلى وسام عسكري بروسي.

وهكذا، في السابع من سبتمبر (أيلول) عام 1764، انتُخب بونياتوفسكي ملكًا لبولندا في قريةٍ بالقرب من وارسو، وبحضور عسكري روسي كثيف في الجوار.

وكانت المفارقة، أن الملك العشيق لم يكن في بداية الأمر يريد أن يصير ملكًا، وأن كاترين قد حملته حملًا على ذلك، في إحدى رسائله العاطفية إلى كاترين يقول: «…صوفي! … إنكِ تُلقين بي في معاناةٍ سرمدية، إنني أُفضِّل ألف مرة أن أكون سفيرًا بجوارك عن أن أكون ملكًا هنا!»

إقرأ أيضاً :  المليارديرة الحسناء "هولمز" المتهمة بالاحتيال.. ما قصتها؟

لم تستطع القوى المنافسة أن تفعل الكثير لتعطيل تنصيب بونياتوفسكي، ولكنها أرسلت إلى كاترين اعتراضاتها، وكان من بينها الدولة العثمانية التي أصرت على أن يتزوج بونياتوفسكي من فتاة بولندية، وسبب هذا التخوُّف أن تخطط كاترين مستقبلًا للزواج به ثم تبتلع الكومنولث البولندي-الليتواني وتضمَّه للأراضي الروسية.

وخلال الشهور الأولى من مُلكه، حاول بونياتوفسكي قدر استطاعته توظيف كافة قدراته الفكرية والسياسية للموازنة بين ضغوطات ومطالب القوى المحلية البولندية والحليف الروسي المتسلِّط، وحاول التقرب من مختلف طبقات الشعب، ولكن الأحداث كانت أكبر منه، وأثقلَ خزانته الفقيرة أصلًا هوسهُ بالبذخ والإنفاق والإنشاءات الضخمة، وجلبه للفنانين والرسامين من فرنسا وغيرها، وأقام بونياتوفسكي العديد من العلاقات الغرامية غير الشرعية التي أهدر فيها رصيدًا كبيرًا من المال، والأهم: سمعته وثقة الناس فيه.

خلاف العاشقيْن وتقسيم بولندا

الاختبار الكبير الأول للملك الجديد عندما ضغطت كاترين عليه لضمان الحقوق الدينية والسياسية للأقلية المسيحية الأرثوذكسية في شرقي بولندا، كانت تعد تلك القضية لعبًا بالنار في بلدٍ يتفشى فيه التعصب الديني بينَ الغالبية الكاثوليكية، فطلب منها تأجيل الخطوة خوفًا من التبعات السياسية والأمنية، رغم قناعته الفكرية الشخصية بالتسامح الديني، ولكنها أصرت.

رفض المجلس التشريعي البولندي «الدايت» عام 1766 المقترح بإصرار، ورفض تقديم أي تنازل جوهري مع غير الكاثوليك، فردت كاترين بإرسال القوات الروسية إلى بولندا، وأجبرت المجلس البولندي أواخر عام 1767 على الموافقة على حقوق متساوية لجميع المِلل، ثم ألزمته في فبراير (شباط) 1768 بالموافقة على معاهدة تحالف روسية بولندية، تضمنت بندًا يُلزم ملك بولندا بعدم تغيير أي بند في دستور بلاده دون الرجوع إلى روسيا.

تمرد العديد من النواب والنبلاء البولنديين الكاثوليك على الإجراءات بدوافع مذهبية وقومية، وطلبوا دعمًا سياسيًّا وعسكريًّا من النمسا وفرنسا والدولة العثمانية، فأرسلت كاترين المزيد من القوات الروسية إلى بولندا، وتصاعدت الاشتباكات بين الأمراء المحليين والقوات الروسية، وأصدر الثوار منشورات بتكفير وتخوين الملك بونياتوفسكي، ونجح بعضهم في اختطافه عام 1771، ولكن القوات الموالية له استعادته بعد إصابة في رأسه، واندلعت مذابح مذهبية متبادلة بين الكاثوليك والطوائف المخالفة لهم.

وفي أحد الصدامات، طارد الروس خصومهم جنوبًا داخل أراضي الدولة العثمانية في مولدوفا، فأرسل العثمانيون إنذارًا إلى الروس يطالبونهم بالانسحاب من أراضيهم ومن بولندا كاملة، فرفض الروس وأعلن العثمانيون الحرب ضد روسيا.

وخلال عامي 1769 و1770، ألحقت القوات الروسية بالعثمانيين الهزائم، وانتزعت إقليم مولدوفا شمال غرب البحر الأسود، ومساحات كبيرة من إقليم والاشيا – رومانيا- وألحق الأسطول الروسي، المُنشأ حديثًا بإشراف إنجليزي، هزيمةً فاصلة بأسطولٍ عثماني في بحر إيجة، ولكن كاترين امتنعت عن التوغل أكثر بجيوشها في أعماق البلقان العثماني آنذاك أو تهديد العاصمة إسطنبول؛ تحسبًا لاستنفار قوى أوروبا الأخرى، خاصةً بروسيا والنمسا، ليعيدوا توازن القوى المختل في القارة.

خارطة جغرافية زمنية تظهر التقسيمات الثلاثة لبولندا عام 1772، و1793، و1795. مصدر الصورة: kafkadesk

في تلك الأجواء الساخنة، كان اشتعال بولندا يروقُ كثيرًا لفريدريك الثاني، ملك بروسيا الطامح لانتزاع غربي بولندا ذي الأغلبية البروتستانتية، لتعزيز بروسيا الطموحة بالسكان والموارد، واستغلَّ فريدريك تحركًا أحاديًّا لخصومه النمساويين، وانتزاعهم أجزاءً من جنوبي بولندا، وأقنع كاترين الثانية باقتطاع أجزاء بولندا ذات الأغلبية غير الكاثوليكية، وتوزيعها على القوى الثلاث، فوافقت الإمبراطورة الروسية بعد تأخر وتفاوض، وكان هذا هو التقسيم الأول لبولندا عام 1772م، والذي فقدتْ فيه بولندا ما يقارب ثُلث مساحتها: المقاطعات الشرقية لروسيا، والغربية لبروسيا، والجنوبية الغربية للنمسا، وكذلك فقدت ما يقارب نصف سكانها.

حاول بونياتوفسكي الاستنجاد بإنجلترا وفرنسا لكبح روسيا وبروسيا والنمسا عن مشروع التقسيم، ولكن انشغال الدولتيْن بصراعاتهما المحتدمة في العالم الجديد وغيره أفشلت جهوده، وكذلك رضا الدولتين بهذا الأمر الواقع في بولندا، لا سيِّما وأن الرأي العام الأوروبي في أجواء التنوير آنذاك، وما صاحبها من تمردٍ ضد الكنيسة، رأى في ما حدث لبولندا إضعافًا للكنيسة الكاثوليكية، وعقابًا مستحقًّا لشعبٍ ونخبٍ أسرفتْ في التعصب الديني، وهكذا وقع الملك البولندي الكسير باكيًا على قبول التقسيم رسميًّا عام 1773.

بونياتوفسكي التنويري ونقمة كاترين

في العقديْن التالييْن، واللذين عُرفا بعصر التنوير البولندي، حاول بونياتوفسكي الذي بدأ ينضج بالتجارب المريرة التي خاضها، أن يصبح ملكًا حقيقيًّا لبولندا، فأقنعَ كاترين بأن تدعمه باسم التنوير الذي كانت تنتهجه في روسيا، وأن تدعم المحاولات الإصلاحية السياسية والاقتصادية التي أراد تنفيذها في بولندا، لاستعادة عافيتها بعد ما فقدته، فوافقت كاترين أن ترعى إصلاحًا بإشرافها، بدلًا من انفجار الأمور والتورط في الحرب مرة أخرى.

دعمت كاترين إصدار دستور جديد لبولندا عام 1775، يوسِّع صلاحيات حليفها بونياتوفسكي، ويضع تحت إمرته 18 ألف جندي نظامي، وكان هدف كاترين إضعاف سلطة النواب المحليين الذين تمرد أكثرهم في الحرب السابقة، ومع أجواء الاستقرار، انطلق بونياتوفسكي في مشروعات حقيقية لتطوير التعليم والجامعات، والمرافق والطرق، وتنمية الزراعة، والتحديث على النمط الأوروبي، فاتسعت الطبقات المثقفة والمتعلمة، وازدهر الأدب والشعر والعلوم.

وشهد عقد الثمانينيات من ذلك القرن أحداثًا غير مسبوقة رفعت طموحات الإصلاحيين والثوريين إلى عنان السماء، مثل فوز الولايات الأمريكية بثورة استقلالها عن بريطانيا، واندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، ما ألهب حماسة بونياتوفسكي والكثير من البولنديين للتخلص من الهيمنة الخارجية، لا سيَّما الروسية، واستغلال انشغال كاترين بالحروب مع العثمانيين والسويديين، فضغط على مجلس نوابه للموافقة على زيادة عدد الجيش إلى 100 ألف مقاتل، وتدبير الموازنة الكافية لذلك، وطلب من القوات الروسية الانسحاب من بولندا عام 1789، فوافقت كاترين على مضض لحاجتها للقوات في جبهاتٍ أخرى، ثم عقد تحالفًا مُفاجئًا مع بروسيا عام 1790 ليحمي عرشه من غضب كاترين.

إقرأ أيضاً :  لماذا يستخدم اليابانيون اللون الأزرق بدلا من الأخضر في إشارات المرور؟

Embed from Getty Images

لوحةٌ عن تقسيم بولندا، تظهر فيها قوى أوروبا، وكاترين تتوسط الطاولة، أثناء تقسيم «كعكة» بولندا

ثم جاءت لحظة فاصلة لكاترين وبعض القوى الأوروبية الكبرى، عندما أصدر بونياتوفسكي دستورًا إصلاحيًّا جريئًا لبولندا عام 1791، متأثرًا بدستور الولايات المتحدة الأمريكية المُنشأة حديثًا وبالثورة الفرنسية، وإن ضَمِنَ صلاحياتٍ واسعة للملك وحرَره من سطوة مجلس النواب وزعاماته المحلية، وقسمه إلى مجلسين منتخبين، النواب والشيوخ، وكفل الدستور الجديد حرية التعبير والعبادة، ولكنه أبقى المذهب الكاثوليكي دينًا للدولة، وحرَّر الفلاحين من بعض القيود الاجتماعية والقانونية.

ورأت كاترين في الدستور البولندي خطرًا كبيرًا عليها، كما كانت تنظر كغيرها من الملوك بخوفٍ شديد إلى الموجات الثورية والإصلاحية التي أطلقت شرارتها الثورتان الفرنسية والأمريكية، ولذا قرَّرت انتهاز أقرب فرصة لمهاجمة بولندا، وإجهاض مشروع بونياتوفسكي لتعزيز استقلال بلاده، وجاءت اللحظة المناسبة بعد حسم حربها الثانية مع العثمانيين بانتصار ساحق عام 1792، وانشغلت بروسيا والنمسا بالزحف العسكري لمواجهة قوات فرنسا الثورية في العام نفسه، وانضمَّ إلى كاترين العديد من خصوم بونياتوفسكي من أصحاب الولاء لروسيا، ومن المعارضين لتقليل سطوة النواب المحليين أمام سلطة الملك، ودعوا القوات الروسية علانيةً لمهاجمة بولندا وإعادة الدستور القديم.

«لا يزال الملك في عامه الستين رجلًا وسيمًا أنيقًا، وإن كان وجهه شاحبًا، وفي وسع المرء أن يرى ستارًا قائمًا قد أسدل على روحه. إنه يتحدث بفصاحة، وهو مجامل حسن الاستماع دائمًا ومع الجميع، لكنه مهمَل، مُزدَرىً مخذول، ومع ذلك فهو ألطف الناس جميعًا»

* السفير الروسي في بولندا يصف بونياتوفسكي بعد هزيمته من روسيا عام 1792

زحفت القوات الروسية وحلفاؤها المحليون لاحتلال العاصمة وارسو، وواجههم البولنديون المؤيدون للملك بقواتهم الأقل تنظيمًا وتسليحًا، ونجحوا في تعطيل تقدمهم أكثر من مرة، ولكن رأى بونياتوفسكي أن الهزيمة حتمية مع تخلي البروسيين عنه لانشغالهم بحرب فرنسا، فراسلَ كاترين لتحسين شروط الاستسلام، ولكنها ألزمته أن يخضع دون قيدٍ أو شرط، ويلغي الدستور الجديد، ويعيد دستور 1775.

أجبر بونياتوفسكي قادة جيشه والنواب المتحسمين على قبول الاستسلام، ولم يدرِ أن كاترين تُخبئ له مفاجأة مؤلمة؛ إذ عقدت اتفاقية سرية مع بروسيا لاقتسام المزيد من أراضي بولندا، وهكذا وقع التقسيم الثاني لبولندا عام 1793، وفقدت بولندا المزيد من الأراضي شرقًا وغربًا، وبررت كاترين ما حدث أمام الملكيات الأوروبية الأخرى مثل إنجلترا والنمسا، بأن التقسيم إجهاضٌ لمحاولة تصدير الثورة الفرنسية إلى بولندا وتهديد كافة العروش الأوروبية، ولم تعرف كاترين أن الإذلال الذي فرضته على بولندا سيكون هو الدافع الأساس لمحاولة استنساخ الثورة الفرنسية هناك.

الثورة والنهاية

عام 1794م، قاد الزعيم الوطني البولندي سوفوروف كوتشيوسكو بضعة آلاف من الثوار البولنديين، معترضين على التقسيم الثاني لبولندا، وألحقَ في كراكوف هزيمة ثقيلة بقوة روسية كبيرة، ومع انتشار أخبار هذا الانتصار، اندلعت الثورة ضد الروس في العاصمة البولندية وارسو، والليتوانية فيلنيس، وفي العديد من أنحاء بولندا، لا سيما وقد وعد قائد تلك الثورة بتحرير الفلاحين بشكلٍ تام.

وعام 1795، زجَّت كاترين بخيرة قواتها الروسية لاستعادة السيطرة في بولندا وقمع الثورة، بالتزامن مع هجوم الآلاف من الجنود البروسيين لغربي بولندا، وسقطت المعاقل الثورية الواحد تلو الآخر، وارتكب الروس العديد من المذابح البشعة بحق البولنديين، فقرَّر بونياتوفسكي المهزوم أن يُسلم العاصمة وارسو دون قتال تجنبًا لمذبحة كبرى فيها، وطلب بونياتوفسكي من كاترين أن تُبقي على كيان بولندا، ولكنها كانت مصرة على محو بولندا من الوجود، فتقاسمت ما بقي منها مع بروسيا والنمسا، على أن تحصل روسيا على النصيب الأكبر من الكعكة، فكان هذا هو التقسيم الثالث لبولندا، وأجبرت كاترين عشيقها الأسبق الذي نصَّبته ملكًا قبل 30 عامًا على الاستقالة من منصبه أواخر عام 1795، وانزوى في إحدى المقاطعات البولندية.

لم تهدأ بولندا تحت الحكم والنفوذ الروسي، وقاومته لاحقًا في انتفاضات شعبية أخرى، وهذه اللوحة رسم زيتي لإحدى المعارك في خضم ثورةٍ بولندية ضد روسيا عام 1831. مصدر الصورة: ويكي

تُوفيَت كاترين عام 1796، فأرسل ابنها الملك بول إلى بونياتوفسكي ليقيم في أحد قصور سان بطرسبرج، فيما يشبه رد اعتبارٍ رمزي، مع ضمانة أكبر لكي لا يثور ضد روسيا، فظل في ذلك القصر حتى وفاته عام 1798، أما الثوريُّ كوتشيوسكو، فقد أطلقَ بول سراحه، وانتهى به المطاف في فرنسا الثورية، وظل لعقديْن يحاول تحرير بولندا بكافة الطرق دون جدوى.

ساسة بوست

اقرأ أيضا: ما قصة المثل ” اختلط الحابل بالنابل” ؟