الخميس , أكتوبر 21 2021

سورية بعد سقوط كابول من المنظور الأوروبي

سورية بعد سقوط كابول من المنظور الأوروبي

ميشيل دوكلوس
ومستشار بارز في معهد مونتين
بدأ قلق من نوعٍ محدّد ينمو تدريجياً بين واشنطن والعواصم الأوروبية التي لا تزال مهتمّة بالقضية السورية. فهناك عدة مصادر لهذا القلق.
لا تشكل سورية أولوية لإدارة جو بايدن، التي بعثت بإشارات مختلطة حول تطبيق عقوبات قانون قيصر.
واعتباراً من 8 أيلول/ سبتمبر، أبدت الإدارة استعداداً لمنح إعفاءات من شأنها أن تسمح بنقل الغاز المصري إلى سورية بما يحقق فائدة للبنان.
ولا يبدو أن إدارة بايدن تعمل بنشاط على ثني حلفائها العرب عن استعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق.
فقد أعطت قضية الغاز اللبناني فرصة للوزراء اللبنانيين لزيارة دمشق مرة أخرى في الأول من أيلول (سبتمبر)، وجمع وزراء من دول عربية مختلفة مع أعضاء الحكومة السورية في الأردن.
الاتجاه نحو التطبيع مع دمشق مرحّب به في بعض الدول الأوروبية -مثل المجر واليونان والنمسا- التي ترغب في استعادة العلاقات مع سوريا.
مصدر آخر للقلق هو قضية إرث إدارة باراك أوباما، والتي وُفّرت أساساً للعمل لموظفي إدارة بايدن.
فلطالما اشتبه الأوروبيون في الرئيس أوباما بالتضحية بسورية لعقد اتفاق نووي مع إيران والسعي إلى اتفاق مع روسيا بشأن سورية قبل كل شيء.
من وجهة نظر أوروبا، كان الدافع نفسه نحو التوصّل إلى اتفاق مع روسيا لإيجاد آلية لتقديم المساعدات الإنسانية عبر الحدود.
ففي تموز/ يوليو ذهبت واشنطن بعيداً في تنازُلاتها لموسكو لتأمين القرار الأمني رقم 2585 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي سمح بفتح المعبر الأخير للأمم المتحدة إلى سورية من تركيا حتى يتسنّى استمرار إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق غير الخاضعة لسيطرة دمشق.
فقد تواصل الرئيس بايدن بنظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد تمرير القرار، وكأن ذلك القرار إنجاز حقيقي.
في ظل هذه الخلفية، يُعدّ الانسحاب من أفغانستان مصدر قلق آخر.
فالخوف هو أن السياسة الأمريكية المتمثلة في “إنهاء الحروب الأبدية” ستطبّق بشكل طبيعي على القوات الأمريكية التي لا تزال تعمل في شمال شرق سورية.
في الوقت الحالي، يؤكد المسؤولون الأمريكيون لنظرائهم الأوروبيين ولمن يتواصلون معهم من قوات سورية الديمقراطية التي يقودها الأكراد أن الأمر ليس كذلك.
على عكس المشاركة الأمريكية الضخمة في أفغانستان، فإن العملية في سورية صغيرة الحجم (قرابة تسعمائة جندي) ومستدامة، وتبرّرها ضرورة منع عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
يجب أن نأخذ هذه التأكيدات على محمل الجد.
فمن المحتمل جداً أن ترى واشنطن العامل الإيراني حافزاً على عدم التخلّي عن المواقف في سورية.
ومع ذلك، فإن التطورات على الأرض لا تشجّع الحفاظ على وجود القوات الأمريكية أو القوات المتحالفة معها:
فالأكراد السوريون يتعرضون لضغوط متزايدة من تركيا ودمشق وحلفاؤها. وقد استعادت روسيا والجيش السوري السيطرة على محافظة درعا رغم الاتفاقات التي تم التوصل إليها.
وكما كان متوقعاً، فإن الجيش السوري وحلفاؤه يستغلون القرار 2585 لبسط سيطرتهم على كل الأراضي السورية.
في واشنطن، سيكون هناك إغراء قوي للتخلص من المشكلة السورية من خلال التوصل إلى اتفاق مع الروس من شأنه إضفاء الشرعية الدولية على بقاء الرئيس الأسد في السلطة.
في ضوء كل هذا، يجب على الأوروبيين إعادة الانخراط بشكل استباقي في القضية السورية، فهناك نوعان من خطوط العمل للنظر فيها.
أولاً، من الواضح أن عملية اللجنة الدستورية للأمم المتحدة -وهي لجنة تيسرها الأمم المتحدة مكلفة بإعادة كتابة الدستور السوري كجزء من حلّ سياسي للحرب- لن تؤدي إلى أي نتيجة.
سعياً وراء نهج بديل، تبنّى المبعوث الخاص لسورية، غير بيدرسن، التكتيك المعروف المتمثل في “المزيد مقابل المزيد” الذي سيحصل على إشارات من الحكومة السورية -على الأقل في المجال الإنساني- مقابل خدمات مختلفة من الدول الغربية.
سبق تجربة هذا التكتيك دون نجاح على المستوى الثنائي (على سبيل المثال، بين الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا).
ما هو مطلوب هو نهج منسق بين الجهات الفاعلة الرئيسية. على الأوروبيين أن يشجعوا الولايات المتحدة ودول الخليج العربية على تطوير منصة مشتركة قائمة على مبدأ “الأخذ والعطاء” لعرضها على موسكو، وبشكل غير مباشر، على دمشق.
يجب أن يتضمن الخط الثاني للعمل اقتراحاً من جانب الأوروبيين لإعادة تقييم تقاسم الأعباء مع الولايات المتحدة. فمن الواضح أن إدارة بايدن ترغب في تقليص الوجود الأمريكي في المنطقة.
ففي العراق، تمت موازنة خفض عدد الأفراد العسكريين الأمريكيين من خلال مشاركة أكبر لقوات الناتو في تدريب الجيش العراقي.
وعلى الصعيد السياسي، أعرب البيت الأبيض عن دعمه لقمة إقليمية في آب/ أغسطس في بغداد نظمتها بشكل مشترك حكومتا فرنسا والعراق.
ومع ذلك، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الرئيس الغربي الوحيد الذي حضر الاجتماع بالفعل.
إذا قمنا بتوسيع هذا المنطق ليشمل سورية، فيمكن تشجيع إدارة بايدن على الاحتفاظ بوجود عسكري في الشمال الشرقي -وإعادة الانخراط السياسي في القضية الأوسع- إذا زاد الأوروبيون مساهمتهم في جهود تحقيق الاستقرار في الشمال الشرقي أو بدؤوا جهوداً جديدة لتسهيل الحوار بين العرب والأكراد في شمال شرق سورية وكذلك بين قوات سورية الديمقراطية وتركيا.
في هذه المرحلة من الصراع، خفضت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج العربية أهدافها.
هذا يطرح السؤال عمّا إذا كانت أهداف كل منهما لا تزال متسقة.
في أول تحليل يخطر على البال الجواب يقول: يبدو أنه لا.
فأولوية الولايات المتحدة هي فك الارتباط، بينما تريد أوروبا أكثر من أي شيء آخر عودة اللاجئين إلى سورية في ظروف مناسبة وفرص الحل السياسي.
في غضون ذلك، تبدو دول الخليج مدفوعة بالقلق -أو بالأحرى الوهم- من التنازل عن النفوذ الإيراني والتركي.
الخطر، أو بالأحرى، الوضع الذي وجدنا أنفسنا فيه بالفعل، هو أن الروس والجيش السوري سيعززون أهدافهم في غياب إستراتيجية مشتركة ضد دمشق.
مع تجاوز الرئيس الأسد للعقوبات، فإن الوضع ينزلق بعيداً عن الجهات الفاعلة الأمريكية والأوروبية والخليجية.
وإذا ظلوا منقسمين، فلن يحقق أي منهم أهدافه. هذا الاعتبار وحده يجب أن يحفّزهم على إعادة تأسيس التشاور الوثيق والعمل المنسق بالروح الموضحة أعلاه.
المصدر: المجلس الأطلسي

إقرأ أيضاً :  هل سيكون الإنسحاب من سوريا خطوة بايدن التالية؟