الأربعاء , مايو 25 2022

ماذا لو قامت روسيا الاتحادية بالتهديد بقصف عاصمة من عواصم الدول المتحالفة مع أميركا والثابت رعايتها للإرهاب؟

ماذا لو قامت روسيا الاتحادية بالتهديد بقصف عاصمة من عواصم الدول المتحالفة مع أميركا والثابت رعايتها للإرهاب؟
علي الدربولي
*تهدد أميركا بالتصرف بشكل منفرد إذا لم يتدخل مجلس الأمن لفرض وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية، مصدر الخطر على سكان العاصمة دمشق. هذا التهديد جاء على لسان مندوبة اميركا الدائمة إلى مجلس الأمن.
لا يستطيع مجلس الأمن فرض قرار لوقف إطلاق النار، فهو عاجز عن اتخاذه أصلا، بوجود اعتراض روسيا الا تحادية والصين، طالما كان نفس المجلس أيد بقرار منه محاربة الإرهاب الذي تمثله (جبهة النصرة) وقبلها (داعش) الإرهابيتين. أميركا تحاول اللعب بحلفائها، والمجموعات المسلحة المرتبطة بها مباشرة، بقصد الضغط على روسيا الاتحادية ومعها حلفائها على المدى البعيد في ملفات أخرى لعل أولها ملف كوريا الشمالية ( سيلتقي الرئيسان الأميركي والكوري الشمالي في شهر أيار القادم).! الملف الذي يطبخ على نار هادئة الآن، لأجل تثبيت الاطمئنان الأميركي من خطره النووي. المقابل تَقدَّم لأن يكون في سورية باعتقادي، بعد أن هدأت جبهة أوكرانيا إلى حد مرض للجانبين الغربي وروسيا الاتحادية. دليلنا هو تلك العبارات المصاغة بدقة، وبنبرة عسكرية محض/ التي أطلقها الجيش الروسي محذرا أميركا من تداعيات تورطها بقصف مواقع سورية نوعية للحكومة والجيش في العاصمة دمشق. هذا تطور في الموقف الأميركي خطير في ظاهره، و جديد في تصنيفه. استدعى تلك النبرة العسكرية من قبل الجانب الروسي، والتي كانت على ذات المستوى.
*تستطيع روسيا الاتحادية تهديد عاصمة من عواصم حلفاء أميركا (حتى تل أبيب) إذا ما اقتضى أمر تثبيت مصالح أمنها وأمن حلفائها القومي في سورية وغيرها، فيكون عندها الرد على أميركا بخطوة مماثلة: (حلفاء بحلفاء) ..لعل مثل هذا الأمر (الخطير) يشكل المرحلة التالية والموقفة بنفس الوقت لخطوة تطور الصراع بين القوى العظمى، من حيث كونه صراعا بالواسطة إلى تحوله كي يكون صراعا مباشرا بين القوتين العظميين؟!
*لا تزال أميركا تعتقد بأنها تمتلك أوراقا كثيرة في سورية تستطيع بها وضع لمساتها في الدستور السوري المؤمل، بحيث يضمن لها ذلك مصالحها عبر جهة معينة من جهات المعارضة (المعتدلة والتي ستنخرط بحكومة الحل السيالسي الجديد). وأهم تلك الأوراق هو وجودها الميداني في شرق وشمال شرق سورية، لتكون ورقة التقسيم بالقوة في رأس قائمة مخططها لذلك. فهل ستنجح؟
-يمكن لأميركا أن تدعي أنها تتغاضى (عسكريا) عن نجاح الجيش العربي السوري في بسط سلطته على كامل الأراضي السورية ما عدا تلك التي أقامت فيها قواعد عسكرية وشبه عسكرية، وشكلت فيها مجموعات متوافقة على المصالح معها من أكراد وبعض القبائل العربية التي تنازلت عن حقوقها كأكثرية في تلك المناطق، منصاعة لقيادات ذات قومية غير عربية حتى هذا التاريخ. ساعدها في ذلك الضغط العسكري الأميركي، والقصف المدمر لمناطق تواجد العرب، وخاصة في مدينة الرقة، بعد مدينة دير الزور، وذلك بهدف تهجير سكانها العرب وتشتيتهم، ومنع عودتهم إلى منازلهم حتى المدمرة، خدمة لهدف ترجيح الوجود غير العربي في تلك المناطق.
*الطريق إلى تظهير الحرب في سورية على أنها حرب مباشرة بين أميركا وروسيا الاتحادية لم تعد طويلة..المشهد الميداني يشي بذلك عبر: تقدم الجيش العربي السورية على طريق تنظيف محيط دمشق بالكامل من المجموعات المسلحة، ونجاح الأتراك بالتغلغل في المناطق السورية ذات الغالبية الكردية في الشمال. هناك هدف يصب في مصلحة هدف سواء بالاتفاق أو بالمصادفة وهو: أن الجيش العربي السوري سيسترجع سيطرة حكومته على المناطق التي ستتحول إلى مناطق مدنية خالية من المجموعات الكردية المسلحة في “عفرين” وما حولها، بعد أن يحقق الأتراك هدفهم بالتخلص من الجيب الكردي التي تصفه بـ (الإرهابي)والذي تخشى من تمدده حتى البحر المتوسط، وتواصله مع الداخل التركي الذي يمثل جنوبه الكردي خطرا انفصاليا كرديا حقيقيا على وحدة الجغرافية التركية.
*هنالك صمت ربما، وبنسبة عالية من التخمين الواقعي، يكاد يكون (توافقيا) من قبل أميركا وروسيا الاتحادية، قد يلتقى حتى الآن مع ما يسعى إليه السوريون والأتراك في الشمال، الأمر الذي لا يشي بشيء من تفجير الموقف بينهما… وهو لا يشبه ما يجري في الغوطة، ومعه لا يشبه ما يجري في مناطق التواجد الأميركي، للفارق بين تصنيفات أوراق الضغط بالنسبة للجانب الأميركي تحديدا! لذلك كان التهديد بضرب سورية وإثارة موضوع استخدام السلاح الكيميائي من قبل الجبش السوري من الأمور الحاضرة، عندما نجح هذا الجيش وحلفائه بكسر ظهر المجموعات المسلحة في الغوطة، تخفيفا للضغط على العاصمة دمشق، وقتل أهم قادتها من (فيلق الشام) وتهديد الباقين ؟! أمر التهديد الأميركي رفضته روسيا الاتحادية بشدة كما حلفائها، فعلى ماذا سيتفق الجانبان المتقابلان، أو على ماذا سيختلفان؟ هنالك تغييرات مهمة على الجانب الأميركي، طالت وزير الخارجية ورئيس المخابرات؟ هل سيكون ذلك باتجاه الحرب المباشرة مع روسيا الاتحادية التي أظهرت أنها قادرة على وقف المشروع الأميركي عند الحدود السورية، وهذا فشل مهم جدا لأميركا وحليفتها (إسرائيل) وحلفائها العرب من ذوي صفات التبعية وضيق النظرة إلى حقيقة ما يحاك للمنطقة وما يجرى لها، من غير إدراك تام لما سيحل بهم كحكام سيأكل الدهر وسيشرب عليهم بعد حين ليس بطويل؟! في المقابل سوف لن نجد تغييرات على المستوى الروسي، لأن الانتخابات الرئاسية ستأتي تاليا بـ”فلاديمير بوتين” الذي استن سياسة مبنية على الشرعية الدولية أكثر من بنائها على إرهاصات القوة ووهم الأحادية القطبية كما فعلت، ولا تزال تفعل أميركا؟!
*لا يوجد في الأفق مسار سيودي إلى الحرب المباشرة، بكل ما لها من تداعيات على الأمن الدولي، لأن نقطة تصادم المسارات في المنطقة لا تزال بعيدة، برغم احتمال تطورها إذا ما لجأت روسيا الاتحادية إلى مقابلة تهديد حلفائها من قبل أميركا بخطوة مماثلة باتجاه حلفاء أميركا، والذرائع الشرعية والعسكرية، والحرب على الإرهاب، موجودة. قد يكون تهديد روسيا غير مباشر كحال مظلتها التي أحاطت بإسقاط سورية لطائرة إسرائيلية فوق الأرض الفلسطينية، وقد يكون مباشرا بضرب القواعد الأميركية في أول خطوة عسكرية تقوم بها أميركا باتجاه دمشق…إن التواجد الاستراتيجي الروسي في سورية تعاظم إلى الحد الذي، وبعد وقت قصير جدا، ستتسع مظلته لتشمل حلفائها عموما في المنطقة، والذي سوف لن تستطيع أميركا معه القيام بضرب دمشق، أو أي من حلفائها عسكريا، مهما كانت درجة سخونة التهديد بذلك عالية. التزمت بذلك موسكو عبر تأكيد وزير خارجيتها على ما أعلنه جيشها بهذا الخصوص.
*المراقب السياسي العاقل يفهم أن سورية دولة عضو في الأمم المتحدة وإن محاولات هدم بنيانها الجيوسياسي، إذا ما أريد لها أن تنجح، كان لا بد أن تبدأ في أروقة الأمم المتحدة…المهمة صعبة إذا لم نقل مستحيلة بالنسبة لهكذا عمل. لأن شرعية الدولة السورية من ركائز التوازن الدولي، بدليل الانشعال الدولي بالحرب عليها لمدة فاقت السبع سنوات. هنالك دائما، وبحسن نية، أغبياء في السياسة، كما يوجد هنالك دائما، وبسوء نية، متغابون.
سورية تنتصر.

اترك تعليقاً