الإثنين , مايو 16 2022
أول حكومة في ألمانيا ما بعد ميركل

“إشارة المرور” .. ملامح أول حكومة في ألمانيا ما بعد ميركل

“إشارة المرور” .. ملامح أول حكومة في ألمانيا ما بعد ميركل

تستعد ألمانيا لتشكيل أول حكومة في عهد ما بعد ميركل، إذ دخلت مفاوضات “إشارة المرور” في مراحلها الحاسمة، نسبة لألوان الأحزاب الثلاثة التي تتشاور من أجل تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل الذي تنتظره عدد من الملفات الملتهبة.

دخلت مفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي بألوان “إشارة المرور” (الأحمر والأصفر والأخضر) مراحلها الحاسمة في ألمانيا بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي (لونه هو الأحمر) وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر (الحزب الليبرالي بلونه الأصفر). وبدأ عمل 22 لجنة مُشكلة من ثلاثمائة سياسي وخبير من الأحزاب الثلاثة (الأربعاء 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2021).

وستبحث المفاوضات عددا من البرامج والملفات الحاسمة أبرزها: التحول الرقمي، حماية المناخ، الضمان الاجتماعي، الهجرة، والأمن والسياسة الخارجية. وأكبر رهان يتعلق بإيجاد أرضية مشتركية وتوافقات بين الأحزاب الثلاثة التي لها رُؤىً سياسية واقتصادية مختلفة دافعت عنها من خلال برامجها في الحملة الانتخابية.

ومن المتوقع بلورة برنامج حكومي مشترك قبيل نهاية الشهر المقبل، إذا ما تيسرت الأمور. ويأمل قادة الائتلاف في تقديم اتفاق حول الائتلاف الحاكم يسمح بتنصيب المستشار الجديد بحلول النصف الأول ديسمبر/ كانون الأول. وتصدّر الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار الوسط) الانتخابات، التي أجريت في سبتمبر/ أيلول. وإذا ما تكللت المفاوضات بالنجاح، فسيكون السياسي الاشتراكي الديمقراطي أولاف شولتس هو من سيتسلم رسميا زمام السلطة وبالتالي قيادة ألمانيا بعد رحيل ميركل عن الساحة السياسية. وبهذا الصدد كتبت صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” أن الائتلاف التقدمي، كما أسمته “في طريقه لأن يشكل الحكومة (..) لقد أبدعت الأحزاب الثلاثة في إبداء إعجابها بروح العمل الجماعي والاحترام المتبادل اللذين يتخللان المفاوضات. لكن السؤال الذي يجب طرحه هو لماذا لم يسبق للأحزاب الثلاثة أبدا أن شكلت ائتلافا حكوميا على المستوى الاتحادي قبل اليوم؟”، في إشارة إلى تباعدها على مستوى البرامج والتوجهات الأيدولوجية.

وثيقة الخطوط العريضة للائتلاف الحكومي

سبق لأحزاب “إشارة المرور”وأن أعدت وثيقة عرضت فيها نقاطا عامة حول الاصلاحات التي تعتزم القيام بها في السنوات الأربع المقبلة. وينص مشروع الحكومة على الحفاظ على حدود المديونية العمومية التي يتمسك بها الليبراليون بشكل خاص، والمعلقة حاليا بسبب الوباء. التحالف وعد أيضا بعدم زيادة الضرائب الرئيسية مثل ضريبة الدخل أو ضريبة الشركات أو الضريبة على القيمة المضافة. وفي المقابل نجح الاشتراكيون الديمقراطيون في الحفاظ على وعدهم الأساسي بزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 12 يورو “اعتبارا من السنة الأولى” مقابل 9.6 يورو حاليا.

إقرأ أيضاً :  مجهولون يختطفون أحد وجهاء عشيرة في الحسكة

وأخيرا يؤكد نص الاتفاق على أن يسعى التحالف إلى “تسريع” تخلي ألمانيا عن الفحم والعمل لتحقيق ذلك في العام 2030 بدلا من 2038. وأكدت الوثيقة المشتركة أنه “لتحقيق أهداف حماية المناخ، من الضروري تسريع التخلي عن الفحم في إنتاج الكهرباء”. ومن المتوقع أن يبدأ حق التصويت في سن 16 عاما في الانتخابات التشريعية والأوروبية، وهو نبأ سار للخضر والليبراليين الذين تصدروا فئة الناخبين الذين صوتوا للمرة الأولى في انتخابات 26 أيلول / سبتمبر.

المناخ ـ أبرز ملفات برنامج حزب الخضر

يستهدف الائتلاف الحكومي المقبل إنفاق ما لا يقل عن 500 مليار يورو خلال العقد المقبل لمواجهة التحديات المناخية التي تعتبر تقليديا أحد أولويات الرأي العام الألماني. وذكر روبرت هابيك، زعيم حزب الخضر، أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الديمقراطي الحر اتفقا على حجم الاستثمار العام اللازم لجعل أكبر اقتصاد في أوروبا “محايدا مناخيا”، مضيفا أن الأحزاب الثلاثة ستقوم بصياغة التفاصيل في المرحلة المقبلة. وأضاف هابيك في مقابلة مع شبكة “ايه آر دي” (ARD) الألمانية “هناك تفهم واضح لاستغلال أنشطة الاستثمار العام في ألمانيا في إطار مبدأ كبح الديون، ولكن أيضا مع الإمكانيات التي يتيحها هذا المبدأ”. وأوضح هابيك أن الحكومة يمكنها على سبيل المثال إنشاء صناديق للاستثمار في محطات شحن السيارات الكهربائية في المناطق الريفية. وقال هابيك، وهو أحد المرشحين، قيد المناقشة، لمنصب وزير المالية في الحكومة المقبلة “يمكن تطبيق ذلك فيما بعد في مختلف مجالات البنية التحتية العامة”.

تجدر الإشارة إلى أن كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الديمقراطي الحر، هو أيضا مرشح محتمل لشغل منصب وزير المالية في الحكومة المنتظرة. وقد أشار في مقابلة إلى أن الخضر يجب أن يتولوا وزارة بيئة جديدة وأكثر قوة. وبهذا الشأن كتبت “تاغسشبيغل” الصادرة في برلين (20 أكتوبر/ تشرين الثاني) أن الخضر في الائتلاف “يجب أن يكونوا حماة البيئة والطبيعة والإبداع ..لأن العالم ليس لديه حقًا المزيد من الوقت ليضيعه عندما يتعلق الأمر بحماية المناخ، وكل الأهداف المناخية المتفق عليها يبتعد تحقيقها أكثر فأكثر بدلاً من الاقتراب منها”، خصوصا وأن هدف خفض الانبعاثات بشكل جذري سيتطلب استثمارات هائلة في قطاعي البناء والنقل.

إقرأ أيضاً :  "غلوبال تايمز": العقوبات الأميركية ضد روسيا مغامرة جيوسياسية سيدفع ثمنها العالم

وسيختبر الخضر والليبراليون، وهما ليسا حليفين طبيعيين، ما إذا كان بإمكانهما التغلب على خلافاتهما بشأن قضايا مثل حماية المناخ والضرائب والإنفاق العام. لكن كلا الحزبين أكدا أنهما يريدان “مد جسور” من أجل تشكيل ائتلاف حكومي مستقر. وتريد الأحزاب الثلاثة بأي ثمن تجنب تكرار ما حصل عام 2017، عندما انسحب الحزب الديمقراطي الحر بشكل مدو من مفاوضات التحالف مع المحافظين والخضر، ما أدى إلى شهور من المشاورات والشلل في أوروبا.

الجبهة الاقتصادية ـ تحديات ما بعد الجائحة

تنتظر الحكومة الألمانية المقبلة ملفات اقتصادية ملتهبة، معظمها ناتج عن تداعيات جائحة كورونا وتأثيراتها الكارثية على إمدادات خطوط انتاج القطاع الصناعي ما أدى إلى ارتفاع صاروخي في كلفة الطاقة والنقل. وقد سبق للحكومة المنتهية ولايتها أن راجعت توقعاتها بشأن النمو الاقتصادي خلال العام الجاري (2021) وخفضته من 3.5% إلى 2.6% وذلك بسبب نقص مكونات تدخل في عدد من الصناعات. وبهذا الصدد أوضح وزير الاقتصاد بيتر ألتماير أن “العديد من البضائع لا يمكن تسليمها لأن هناك نقصا في المواد الأولية”، غير أنه توقع “قفزة فعلية” للاقتصاد الألماني في عام 2022، حيث يُنتظر ارتفاع إجمالي الناتج الداخلي بـ”أكثر من 4%” حسب ألتماير.

تباطؤ الاقتصاد، يعتبر من الملفات المقلقة بالنسبة للائتلاف الحكومي المقبل. وتعاني صناعة السيارات والآلات الثقيلة، أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الألماني، من شبه شلل، فبرغم ارتفاع الطلب، تباطأت سلسلة الانتاج أو اضطرت للتوقف فيما يزيد ارتفاع أسعار المواد الأولية مثل الخشب والبلاستيك والمعادن والغاز من الفاتورة، إذ قفزت تكاليف الإنتاج لدى المصنعين الألمان بنسبة 14.2% على مدار السنة الجارية.

ويبدو أن الائتلاف المقبل يحظى بتأييد مبدأي من رجال الأعمال الألمان لقيادة البلاد في فترة ما بعد كوفيد. وبهذا الصدد كتب موقع “شبرينغر بروفيسيونال” (29 أكتوبر/ تشرين الأول) “رجال الأعمال الألمان يدعمون تقليديا الأحزاب المحافظة”، لأنهم يرون أنها تمثل مصالحهم الاقتصادية بشكل أفضل، وفي استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات، ظهر أنهم مؤيدون لتحالف بين التكتل المسيحي وحزب الخضر، لكن هذا التقييم تغير مباشرة بعد تلك الانتخابات حيث ظهر تأييد متزايد لائتلاف “إشارة المرور”.

إقرأ أيضاً :  بطريقة هوليودية ملياردير روسي ينقذ يخته من المصادرة

الليبراليون بين ناري الخضر والاشتراكيين

يجد الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي)، الحليف التقليدي للمحافظين، نفسه في وضع ليس مريحا بالضرورة أمام اختلاف توجهاته الأيديولوجية مقارنة بالخضر والاشتراكيين. غير أن فولكر فيسينغن الأمين العام للحزب أكد أنه لا يرى بدائل مقبولة لتحالف حزبه مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر. وفي تصريحات لصحيفة “نويه أوسنابروكر تسايتونغ” قال فيسينغ إن فشل المفاوضات الخاصة بتشكيل هذا الائتلاف “ليس خيارا”، مؤكداً أن الأحزاب الثلاثة تخوض المحادثات “بروح المسؤولية وبشكل بناء (..) الأحزاب الثلاثة تعرف أن هناك حاجة إلى بذل جهد هائل من أجل تقليص الارتفاع في حرارة الأرض عند 1.5 درجة، ونحن مستعدون لهذا ونرغب في أن نقدم إسهامنا من أجل حماية حقيقية للمناخ”.

وفيما يتعلق بما قاله حزب الخضر بالحاجة إلى استثمار 50 مليار يورو سنويا لحماية المناخ، قال فيسينغ” سنتفاوض مع بعضنا البعض على مقدار ما سنستثمره”، وأضاف أنه يجب تمويل كل الاستثمارات بشكل قوي.

وكان رئيس حزب الخضر روبرت هابيك أكد في تصريحات صحفية أن أعضاء ائتلاف “إشارة المرور” سيلتزمون بوقف الاستدانة كما تم الاتفاق على ذلك في المحادثات الاستكشافية لكنها ستستغل المتاح من القروض الحكومية وقال “هناك إجماع على ضمان توافر الاستثمارات المطلوبة، وبالتالي فإن مهمة الأحزاب الثلاثة هي تنفيذ هذا الأمر”. وأضاف هابيك “سنكون حمقى إذا لم نعمل في أوروبا على تحقيق السوق المستقبلية التي تتيحها حماية المناخ”. وبهذا الصدد اعتبرت صحيفة “هاندلسبلات” الاقتصادية (السادس من أكتوبر/ تشرين الأول) أن مشاركة الليبراليين في “إشارة المرور” “يحمل فرصا ومخاطر في نفس الوقت” واستطردت موضحة أن “ما يجب تجنبه هو اتفاق الأطراف الثلاثة على الحد الأدنى من القواسم المشتركة؛ لأن ألمانيا بحاجة إلى انطلاقة جديدة في العديد من المجالات. لقد تحقق الكثير ببساطة خلال 16 عامًا من حكم ميركل. لكن من له طموح يحتاج إلى طاقة وتصميم على العمل”.

حسن زنيند -dw

اقرأ أيضا: اشتباكات متقطعة وتصعيد مستمر عن خطوط التماس عند حدود تركيا وشمال سوريا