الأحد , يناير 23 2022

“ماء الضباب”.. مغاربة يواجهون ندرة المياه بتقنية مبتكرة

“ماء الضباب”.. مغاربة يواجهون ندرة المياه بتقنية مبتكرة

قبل حوالي ست سنوات كان سكان خمس قرى بضواحي مدينة سيدي إفني، جنوب المغرب، يضطرون لقطع مسافات طويلة عبر مسالك جبلية وعرة بحثا عن الماء، واليوم باتت بيوتهم متصلة بهذه المادة الحيوية بفضل تقنية “حصد الضباب”.

وتعتمد هذه التقنية المبتكرة على استخدام الضباب كمورد بديل ومستدام لتلبية احتياجات سكان القرى الجبلية من الماء، عبر تشييد شباك عملاقة في قمم الجبل لاعتراض الضباب وتحويله إلى ماء صالح للشرب بعد تجميعه ومعالجته.

وتعرف منطقة سيدي إفني التي احتضنت مشروع “حصد الضباب” كما يطلق عليه القائمون على المبادرة، بمناخها شبه الصحراوي وبندرة في التساقطات التي لا تتجاوز 112 مليمتر سنويا، كما تعرف أيضا بضبابها الكثيف.

وتطمح جمعية “دار سي حماد” المشرفة على المشروع الحاصل على جوائز وطنية ودولية، إلى توسيع التجربة لتشمل مستقبلا مناطق أخرى من المغرب، تتوفر على الظروف المناخية الملائمة لـ”حصد الضباب”.

الفكرة والبداية

اكتشف عيسى الدرهم رئيس جمعية “دار سي حماد” تقنية “حصد الضباب” أثناء إقامته في كندا من خلال منظمة “فوك كويست” غير الحكومية والتي طبقت التجربة أول مرة في شيلي، ما دفعه للتفكير في نقل الفكرة إلى مسقط رأسه بمنطقة آيت باعمران التي تعاني من مشكل ندرة المياه، مما كان يقف حجر عثرة أمام التنمية في المنطقة.

وفي سنة 2015 وبعد دراسة جدوى وتجارب دامت لسنوات استفاد سكان تلك المناطق من أول ربط للمنازل بالماء عبر استخدام تقنية “حصد الضباب”، ليكون بذلك المغرب أول بلد في شمال إفريقيا يعتمد هذه التقنية الفريدة التي استخدمت لأول مرة في جبال الأنديز بشيلي قبل حوالي ثلاثة عقود.

إقرأ أيضاً :  بريطانيا تسجّل "أسوأ رقم" منذ 30 عاما

يقول عيسى الدرهم إن التجارب والدراسات التي انطلقت منذ سنة 2006 والمتعلقة باستكشاف إمكانية استغلال الضباب الكثيف في منطقة سيدي إفني، أسفرت عن الوصول إلى أزيد من 7.5 لتر من الماء الصالح للشرب لكل متر مربع من الشبكة التي تم تثبيتها لاعتراض الضباب.

ويتابع الدرهم لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن “النتائج المحرزة كانت مشجعة للفريق من أجل تطوير المشروع الذي مر بمراحل مختلفة قبل الوصول إلى وضع شبكة من القنوات الأرضية التي تستخدم لتزويد القرى بالماء”.

الإنطلاقة والتحديات

وفوق جبل “بوتمزكيدة” بمنطقة سيدي إيفني وعلى ارتفاع 1225 مترا عن سطح البحر، شرعت جمعية “دار سي حماد” سنة 2011 وبدعم من إحدى المؤسسات الألمانية غير الحكومية في تشييد شباك خاص باعتراض الضباب، قصد تأكيد النتائج والمؤشرات التي سبق التوصل إليها سنة 2006 والتي خلصت إلى إمكانية نجاح التقنية في هذه المنطقة المعروفة بالضباب الكثيف الذي يمتد طوال 143 يوما في السنة.

وبعد مرور أربع سنوات من التجارب تمكن المشرفون على المشروع من إمداد خمس قرى بالماء الصالحة للشرب، بعد أن كان السكان يقطعون عشرات الكيلومترات للتزود بالماء من آبار بعيدة.

وقد شكل الحصول على شباك عالية الجودة ذات القدرة على تحمل الرياح القوية، لتثبيتها في سفوح الجبال، التحدي الأبرز الذي واجه القائمين على المبادرة في المراحل الأولى من المشروع.

ويوضح رئيس الجمعية المشرفة على المشروع، إنه وإلى جانب تأمين شباك متينة تمكن من زيادة كمية المياه، كان من الضروري توفير وحدات تخزين كافية لتجميع الماء وأشخاص مؤهلين لصيانة وإصلاح الشباك، كما كان من الضروري البحث عن آبار تخلط مياهها بمياه الضباب قبل توزيعها عبر الأنابيب على السكان المستفيدين.

إقرأ أيضاً :  قميص الزعيم كيم يثير تساؤلات عن حقيقة وضعه الصحي

ومن بين العراقيل الأخرى التي واجهت المشروع يشير المتحدث، إلى المشكل المرتبط بالحصول على التمويل الكافي لتعميم التجربة حتى تشمل مناطق أخرى من المغرب ومن العالم.

الطموح

ويسعى القائمون على “حصد الضباب” إلى استنساخ التجربة في مناطق أخرى من المملكة التي تعاني بدورها من أزمة المياه، واستثمار سنوات الخبرة في هذا المجال.

يوضح عيسى الدرهم، بأن الجمعية تعمل حاليا على توسيع دائرة الاستفادة من المشروع ليشمل مناطق أخرى تفتقر إلى الماء الصالح للشرب.

ويشير إلى أن “المعاينة التي تمت على مستوى جبل تابتيست، جنوب المملكة، أظهرت نتائج جد واعدة، واستنادا لذلك فإن بناء 6000 متر مربع من الشباك سيمكن من تغطية حاجيات سكان المنطقة هناك”.

وإلى جانب توفير مياه الشرب تساهم المبادرة في توفير مصادر دخل أخرى مرتبطة بالفلاحة وتربية الماشية بالإضافة إلى مساهمتها في حماية التنوع البيولوجي بالمنطقة، مشددا على أن توسيع المشروع رهين بتوفير التمويل اللازم.

آثار اجتماعية وبيئية

وتستفيد من هذه المبادرة حاليا 16 قرية تضم أزيد من ألف شخص، ويعتبر القائمون على المشروع بأن توفير الماء قد ساهم في الحد من ظاهرة الهجرة القروية، ونجح في الحد من معاناة نساء القرى اللاتي كن يقطعن مسافات طويلة لما يزيد عن 3 ساعات من أجل جلب الماء من مناطق بعيدة.

ويشدد الدرهم على أن الماء يشكل عنصر استقرار بالنسبة للسكان والبيئة على حد السواء، ويعتبر أن المشروع وسيلة فعالة للتكيف مع تغير المناخ وأداة تساهم في تعزيز التوجه المتنامي نحو جعل الضباب مورد مائي بديل في المناطق الساحلية الجافة.

إقرأ أيضاً :  منظمة الصحة العالمية: موجات جديدة متوقعة لـ"كورونا" كل 4 أشهر

ويشير إلى أن “السكان المستفيدين من المشروع في القرى لم يستوعبوا في بادئ الأمر كيف يمكن للضباب أن يشكل مصدرا للماء مثلما لم يتوقعوا النتائج الباهرة التي بات يحققها المشروع، لذلك فهم اليوم باتوا يشاركون بفعالية وحماس في هذا البرنامج الذي اصبحوا يعتبرونه مشروعهم”.

ويؤدي السكان مقابل الاستفادة من المياه مساهمة رمزية فيما تتحمل الجمعية المشرفة على المبادرة معظم التكاليف والتي تتضمن المساهمة في توفير الشباك وصهاريج التخزين، إلى جانب العمل على تطوير المشروع بشكل متواصل.

اعتراف وطني ودولي

الانعكاس الإيجابي للمشروع على حياة سكان القرى الجبلية، إلى جانب إثبات قدرته على التأقلم مع التغيرات المناخية، مكنه من حصد عدد من الجوائز الوطنية والدولية.

وتعتبر جائزة التشجيع للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية، من أبرز الجوائز العالمية التي حصل عليها المشروع، حيث وصفته الأمم المتحدة بأكبر نظام لحصاد مياه الضباب في العالم يتم تشغيله بشكل عملي.

ويؤكد عيسى الدرهم أن هذه الجوائز هي بمثابة اعتراف بالعمل الذي تقوم به جمعية “دار سي حماد”، وتتويجا لمجهوداتهم، كما تساهم في تعزيز الثقة في جمعيتهم لدى الهيئات التي تهتم بتمويل المشاريع المرتبطة بالماء.

ويشدد الدرهم، على أن هذا الاعتراف يمثل تحفيزا بالنسبة لهم من أجل تطوير وتوسيع نطاق المبادرة، كما يبرز مدى أهمية استغلال الموارد المتجددة، في وقت تتزايد فيه ندرة المياه في المنطقة.

أسماء حسن – الرباط – سكاي نيوز عربية