الأحد , أبريل 6 2025
شام تايمز
خطوط نازكا العملاقة عمرها 2000 سنة ولا تزال باقية

طقوس دينية أم طلاسم فضائية؟ خطوط نازكا العملاقة عمرها 2000 سنة ولا تزال باقية

شام تايمز

هناك الكثير من الأشياء الغامضة التي تحيط بنا، بعضها يعود للماضي البعيد. وعلى مر التاريخ حاول البشر معرفة أسرار تلك الأشياء الغامضة، مثل فك رموز حجر رشيد على يد العالم الفرنسي شامبليون، لكن بعضها الآخر لا يزال لغزًا النسبة لنا نفهم بعضًا منه ونحاول فهم الآخر، واليوم سنتعرف إلى أحد أشهر تلك الألغاز القديمة، لغز عمره ألفا سنة، ورغم أنه ظاهر وواضح للعيان فإنه يظل غامضًا وغير معروف أصله وفصله.

شام تايمز

خطوط نازكا.. طلاسم غامضة بطول 500 كيلومتر

إذا كنت أحد «المستكشفين» الإسبان فى أوائل القرن السادس عشر، فلا بد لك من التفكير في الذهب، حين يكون الحديث عن ممالك أمريكا الجنوبية التي سقطت الواحدة تلو الأخرى بيد الإسبان.

شام تايمز

تقع هذه الخطوط الغامضة التي نتحدث عنها اليوم فى جنوب غرب منطقة نازكا قبالة المحيط الهادي، جنوب جمهورية بيرو بأمريكا الجنوبية، وتمتد لمساحة نحو 500 كم2، وقد ذكرها للمرة الأولى أحد الفرسان الإسبان ويدعى بيدرو سيزا (1520- 1554) في كتابه حوليات بيرو الصادر في عام 1553، ووصفها بأنها علامات طريق بما يشبه لافتات المرور المعاصرة.

كانت تلك أول إشارة مكتوبة تصلنا عن خطوط نازكا، على الرغم من أن الخطوط كانت مرئية جزئيًّا من التلال القريبة، وكان أول من أبلغ عنها في القرن العشرين طيارين عسكريين ومدنيين من بيرو بحكم الطيران فوق المنطقة الذي مكنهم من رؤية الموقع بكامله، وهو ما يصعب رؤيته على الأرض. وفي عام 1927 اكتشفهم عالم الآثار البيروفي توريبيو ميخيا زيسبري، بينما كان يتجول عبر التلال، وعقد مؤتمر لمناقشة اكتشافه ودراسته في ليما عاصمة بيرو عام 1939.

إلا أن بول كوسوك (1896- 1959)، المؤرخ الأمريكي والأستاذ بجامعة لونج آيلاند في نيويورك، يعد أول عالم يدرس خطوط نازكا بعمق. ففي أثناء وجوده في بيرو فيما بين العامين 1940-1941 لدراسة أنظمة الري القديمة؛ حلق بالطائرة فوق هذه الخطوط لتكوين مجال رؤية أكبر، مدركًا أن أحدها على شكل طائر.

ساعدته ملاحظة أخرى بالصدفة على رؤية كيفية تقارب الخطوط في الأفق عند الانقلاب الشتوي في نصف الكرة الجنوبي. ومن ثم بدأ في دراسة كيفية إنشاء الخطوط، وكذلك محاولة تحديد الغرض منها. وانضم إليه عالم الآثار الأمريكي ريتشارد ب. شيدل، وعالمة الرياضيات الألمانية ماريا رايشه، في محاولة منهم لتحديد الغرض من خطوط نازكا.

خطوط نازكا العملاقة عمرها 2000 سنة ولا تزال باقية

كان كوسوك أول من اقترح أن هذه الخطوط لا تعود لأنظمة ري عملاقة كما توقع البعض، بل إنها بمثابة تقويم ضخم، وأن هذه الأشكال صُممت – بالأساس- بوصفها علامات فلكية على الأرض لإظهار مكان ارتفاع الشمس والأجرام السماوية الأخرى في تواريخ مهمة بالنسبة لشعب نازكا.

وجدير بالذكر أن ثقافة وادي نازكا قد ازدهرت في الفترة من 200 ق.م وحتى 600 ميلاديًّا، وهي حضارة ضمن الحضارات المعروفة بـ«ما قبل الكولومبية» أي قبل وصول كولومبوس إلى الأراضي الأمريكية.

طيور وقرود وأشكال غامضة غير معروفة!

رسم شعب نازكا عدة مئات من الأشكال البدائية البسيطة شكلًا والضخمة حجمًا لحيوانات وطيور وبشر، والتي يمتد أكبرها حجمًا لنحو 370 مترًا. تبلغ المساحة التي تشمل الخطوط ما يقرب من 500 كيلومترًا مربعًا كما أسلفنا، وقد جرى قياس بعض الأشكال الأخرى، مثل الطائر الطنان الذي بلغ طوله 93 مترًا، ويبلغ طول نسر الكندور 134 مترًا، وهناك أشكال لقرد يبلغ طوله 93 × 58م، والعنكبوت 47م.

وحافظ المناخ شديد الجفاف في منطقة نازكا على شكل الخطوط جيدًا. فهذه الصحراء هي واحدة من أكثر المناطق جفافًا على وجه الأرض، وتحافظ على درجة حرارة قريبة من 25 درجة مئوية على مدار العام.

العلماء يختلفون ولكن.. لا بد أنهم الفضائيون كالعادة!

إحدى الفرضيات الشهيرة التي سعت لتفسير سبب وكيفية عمل خطوط نازكا، كانت فرضية الكاتب السويسري، إريش فون دانيكن، الذي قال بأن الفضائيين هم من حفروا تلك الخطوط، وذلك في كتابه «عربات الآلهة»، لكن فرضية دانيكن لم تصمد أمام النقد، كما أنها لم تتحصل على دلائل إثبات، لذا تعد مرفوضة بشكل كبير في الأوساط العلمية.

وفي أوائل القرن الحادي والعشرين أعاد الباحث الأمريكي جون نيكل، حفر أشكال خطوط نازكا نفسها مستخدمًا أدوات مماثلة لتلك التي كان يستخدمها شعب نازكا؛ ليثبت خطأ فرضية فون دانيكن فيما يخص «الفضائيين فائقي الذكاء» الذين حفروا تلك الخطوط. وتتشكل معظم الخطوط على الأرض فيما يشبه الخندق الضحل، بعمق يتراوح بين 10 و15 سم. وقد أزيلت أجزاء من الحصى ذي اللون البني المحمر المغطى بأكسيد الحديد الذي يشكل سطح صحراء نازكا، وبعد إزالة الطبقة السطحية من الأرض تظهر طبقة فرعية تحتوي كميات عالية من الجير.

وتجدر الإشارة إلى أن الاختلاف اللوني بين سطح الصحراء وطبقة هذه الخطوط هو ما يجعلها واضحة ومميزة للعيان عن باقي المنطقة الصحراوية المحيطة بها.

وفى عام 1977 اقترح المؤرخ ألبرتو روسيل كاسترو تفسيرًا متعدد الوظائف للنقوش الجيوغليفية تلك. وقد صنفها إلى ثلاث مجموعات:

الأولى ظهرت على أنها مسارات متصلة بالري وتقسيم الحقول.

الثانية عبارة عن خطوط محاور متصلة بالتلال والقوارير.

الثالثة مرتبطة بتفسيرات فلكية.

وفي عام 1983 نشر هنري ستيرلين، مؤرخ الفن السويسري المتخصص في مصر والشرق الأوسط، كتابًا يربط فيه بين خطوط نازكا وإنتاج المنسوجات القديمة التي وجدها علماء الآثار، مثل اللفائف التي تغطي مومياوات ثقافة باراكاس، وهي حضارة أمريكية جنوبية قديمة تعود إلى حوالي 900 ق.م.

وزعم أن القدماء ربما استخدموا هذه الخطوط مثل أنوال بدائية عملاقة لتصنيع الخيوط الطويلة للغاية، والقطع العريضة من المنسوجات النموذجية للمنطقة، وفق نظريته، بينما كانت الأنماط التصويرية (الأصغر والأقل شيوعًا) مخصصة فقط للأغراض الشعائرية. إلا أن هذه النظرية غير مقبولة أيضًا على نطاق واسع.

وفي عام 1985، نشر عالم الآثار الأمريكي والباحث المقيم لـ«ناشيونال جيوغرافيك» يوهان راينهارد، بيانات أثرية إثنوغرافية وتاريخية توضح أن عبادة الجبال ومصادر المياه الأخرى سادت في ديانة واقتصاد شعب نازكا من العصور القديمة إلى الأزمنة الحديثة.

وافترض أن هذه الخطوط والأشكال كانت جزءًا من الممارسات الدينية التي تنطوي على عبادة الآلهة المرتبطة بتوافر المياه، والتي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بنجاح المحاصيل وإنتاجيتها بالنسبة لشعب زراعي قديم. مفسرًا تلك الخطوط على أنها مسارات مقدسة تؤدي إلى الأماكن التي يمكن فيها عبادة هذه الآلهة. وكانت الأشكال عبارة عن رموز تمثل حيوانات وأشياء تهدف – حسب راينهارد – إلى استدعاء مساعدة الآلهة في توفير المياه. إلا أن المعاني الدقيقة للعديد من تلك الأشكال تظل غير معروفة.

رموز غامضة جديدة.. والبعثات الأثرية لا تزال تتوافد

أجريت أول دراسة ميدانية منهجية للموقع والخطوط العملاقة عام 1996، بواسطة عالمي الآثار ماركوس راندل، وجوني آيلند، من المتحف الألماني للآثار، حيث وثَّقا واستكشفا أكثر من 650 موقعًا في المساحة الشاسعة الممتدة لـ500 كم2، وقارناها بأشكال وفنون الثقافات الأمريكية الجنوبية القديمة المختلفة، وهما يعتقدان أن تاريخها يعود إلى ما بين 600 إلى 200 ق.م، حسب مجلة المعهد الأمريكي للآثار عدد مايو (أيار)- يونيو (حزيران) 2009.

في أوائل عام 2011 جرى الإعلان عن اكتشاف شخصيتين صغيرتين جديدتين من قبل فريق ياباني من جامعة ياماغاتا، أحدهما يشبه رأس الإنسان ويرجع إلى الفترة المبكرة لثقافة نازكا أو ما قبلها. أما الشكل الآخر فهو شكل حيوان غير معروف تاريخ رسمه بدقة، قام الفريق بعمل ميداني هناك منذ عام 2006، وبحلول عام 2012 جرى العثور على ما يقرب من 100 صورة جغرافية جديدة. وفي مارس (آذار) 2012، أعلنت الجامعة أنها ستفتح مركزًا بحثيًّا جديدًا في الموقع في سبتمبر (أيلول) 2012، يتعلق بمشروع طويل الأجل لدراسة المنطقة على مدار الخمسة عشر عامًا القادمة.

وتجدر الإشارة إلى أن موقع خطوط نازكا يعد ضمن قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي، تمامًا مثل أهرامات الجيزة وبرج بيزا المائل بإيطاليا.

وأخيرًا، قد لا نعرف على وجه اليقين ما هي خطوط نازكا خلافًا لكونها أشكالًا عملاقة مرسومة على الأرض لحيوانات وأشياء أخرى، إلا أن الشغف نحو معرفتها والسعي الشديد لفهمها هو ما يثبت أننا لسنا مهتمين بالماضي فقط، وإنما أيضًا مهتمون بفهم أولئك الذين عاشوا قبلنا على هذه الأرض منذ آلاف السنين، حتى إن البعثات الأثرية ما زالت تتوافد على الموقع في الألفينيات لدراسته.

لقد أصبحت خطوط نازكا مصدر جذب سياحي كبير لدولة بيرو؛ حيث يتوافد السياح الذين يحلقون فوق صحرائها ويستمتعون برؤية تلك اللوحة الصحراوية العملاقة من الأشكال والرسومات، التي ربما يكون جهلنا بغايتها هو سر سحرها الأساسي.

ساسة بوست

اقرأ أيضا: ما لغز الأحجار الضخمة الغريبة في إثيوبيا؟

شام تايمز
شام تايمز