الخميس , ديسمبر 8 2022

معارك بايدن الأخيرة في العراق والشآم

معارك بايدن الأخيرة في العراق والشآم

جو غانم

“لقد أزلناه من ساحة المعركة”.

بهذه المفردات، نقل الرئيس جو بايدن لمواطنيه الأميركيين وللعالم خبر تصفية قوات الاحتلال الأميركي الموجودة في الأرض السورية زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، أمير محمّد عبد الرحمن المولى، الملقّب بأبي إبراهيم الهاشمي القرشي، في عمليّةٍ لم تسمح واشنطن بأنْ يصلنا من تفاصيلها سوى شذرات مشوّشة تبدو مقتبسة من فيلم هوليوودي شاهدناه حدّ الملل.

رغم محاولات حثيثة لم تنقطع يوماً منذ عقود طويلة جدّاً للترويج للغة “القيَم الأميركية” وثقافتها، لم تستطع دبلوماسية واشنطن – أو أنها لا تريد – التخلّص من مفرداتِ رعاة البقر ولكْنتهم في كلّ مرّة أرادت فيها اختراع انتصار صغير وجعله يبدو مدويّاً أمام أهل الإمبراطورية وسكان العالم، وخصوصاً حين تكون إدارتها بأمسّ الحاجة إلى شبهةِ انتصارٍ ينتشلها من أزمةٍ أو يُخلّصها من حَرج.

لقد استعار بايدن، وهو يلقي علينا النبأ العظيم، وجوه جورج بوش الابن وهيلاري كلينتون وباراك أوباما ولهجتهم ومفرداتهم حين كانوا يزفّون إلينا أخبار “إنجازاتهم” أمام بن لادن وصدّام حسين وأبو بكر البغدادي وباقي أدواتهم. وقد حاول الرئيس الذي يقف على أعتاب الانتخابات النصفية بشعبيّةٍ بلغت أدنى مستوياتها أنْ يكون حازماً وجازماً وجدّيّاً و”منتصراً”.
“لقد أزلناه من ساحة المعركة”.. من هو؟ وأيّة معركةٍ هذه؟

شكّل الانسحاب الأميركي من أفغانستان، بشكلِه المخزي، قاعدةً سياسية تحليلية استند إليها العديد من المحلّلين في المنطقة والعالم، وانطلقوا منها ليُسقطوا عليها استشرافات الوضع الأميركي في سوريا.

وذهب البعض بعيداً إلى حدّ توقّع انسحاب أميركي من الشمال السوري خلال أيّام أو أسابيع قليلة، رغم تصريحات أميركية متفرّقة (من يصدّق التصريحات الأميركية؟) تحدثت عن اختلاف الوضعين السوري والأفغاني وتباينهما في استراتيجية واشنطن.

كان أكثر المتوجّسين من تبعات الانسحاب من أفغانستان وتداعياته في منطقتنا هو “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تقيم حكم أمرٍ واقع في شمالي شرق سوريا، بحمايةٍ ورعاية أميركية، والتي استخدمتها واشنطن كذراعٍ عسكرية ضاربة في شرقي البلاد، وورقة سياسيّة ضاغطة تحقق من خلالها غاياتها الاستراتيجية، من دون التورط المباشر في القتال، وخصوصاً أنَّ تبعات غزو العراق والنتائج السيئة جدّاً التي حصدتها واشنطن ولحقت بجيشها منذ احتلاله وحتى اللحظة ماثلة أمامنا، ويصعب تسويقها في الداخل الأميركي أو تجاوزها وتفنيدها عند وضع التقييمات أو تقديم تقارير الاستخبارات النصفية أو السنوية في واشنطن. لذلك، بقيت استراتيجية واشنطن في سوريا مشوّشة، ولا يبدو منها سوى عنوان عريض: الحرب على الإرهاب المتمثّل بتنظيم “داعش”.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب انتصار الولايات المتحدة على التنظيم، وقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي في العام 2019، ونيّته الانسحاب من سوريا، فإنّ البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية عملا بجدّ لإحباط هذا المسعى وتعطيله، لِما لوجود قوات الاحتلال الأميركي من أهمية في نظر القائمين على الجهازين، وخصوصاً في مواجهة تمدّد محور المقاومة باتجاه الحدود مع العراق وفلسطين المحتلة، وقطع الطريق على إنجازاته الاستراتيجيّة، وأيضاً لمحاولة مواجهة نفوذ موسكو التي وصلت طلائع شرطتها العسكرية إلى أقصى الشرق السوري، وباتت الدوريات الأميركية تجدها أمامها في بعض النقاط بين القامشلي والمالكية، وصولاً إلى “عين ديوار” قرب الحدود مع “كردستان العراق”، وما يرافق ذلك من محاولات روسيّة للتواصل مع عرب المنطقة الشرقية وكردها لسحب البساط من تحت أقدام الأميركيين. ونستطيع القول إنّ هذه المساعي الروسيّة التي تجري بالتفاهم والتعاضد مع الدولة السوريّة حقّقت نتائج طيّبة في أكثر من مكان، وخصوصاً بين العرب.

لم يقدّم بايدن أيّة رؤية واضحة حول واقع الاحتلال الأميركيّ في سوريا أو مستقبله، حتى إنّه لم يعيّن مبعوثاً خاصاً للشأن السوريّ، وظلّت سياسته مائعة وخاضعة للتأويلات، اتّكاءً على تحليلات ترتكز على أولويات واشنطن في العالم والمنطقة ومدى أهمية سوريا في السياسة الأميركية الخارجية.

وقد جاءت الورقتان اللّتان قدّمهما السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد ومساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان للبيت الأبيض والكونغرس العام الماضي، لترسما بعض ملامح الرؤية الأميركية الجديدة، إذ نصح فورد وفيلتمان (وهما من ألدّ أعداء دمشق) الإدارة الأميركية بالتعامل مع انتصار وبقاء “النظام” في سوريا كأمر واقع، والعمل باتجاه محاولة الحفاظ على ما تبقى من نفوذ أميركي في تلك البلاد، قبل أنْ يقضي عليه محور المقاومة وموسكو بشكل نهائيّ.

وإنْ كانت “قسد” هي ورقة واشنطن السياسية التي تمسك بطرفها وتترك باقي مساحتها تأرجحها الريح بين خوف وترقّب، فإنّ تنظيم “داعش” شكّل المستند الرئيسي الذي تبرزه الولايات المتحدة لتبرّر وجود قواتها المحتلّة كلّما احتاجت إلى تبرير داخليّ أو خارجي. ولم يخيّب التنظيم أمل واشنطن في كلّ ذلك، وتحديداً عن طريق مواظبة الإطلال برأسه من خلال شنّ هجماتٍ خاطفة هنا وهناك.

وقد كانت هجمات “داعش” على مواقع الجيش العربي السوري والحلفاء في البادية وغرب الفرات أهمّ دلائل حياة التنظيم في السنتين الأخيرتين، بل ودلائل فائدته العظيمة لواشنطن، وخصوصاً أن أغلب تلك الهجمات كانت تنطلق من البادية السورية الممتدة باتجاه “التنف”، حيث القاعدة الأميركية، لكنّ الهجوم الأخير على “سجن الصناعة” في مدينة الحسكة، والذي يقع تحت سيطرة “قسد”، ويضم أبرز قادة وعناصر التنظيم المسجونين في الأراضي السورية، شكّل نقطة جوهرية في قراءة المشهد الأميركي الحالي في سوريا وارتباطه بـ”داعش”، كما ارتباط الأخير به.

وفي الوقت الّذي بدأت شعبيّة الرئيس بايدن تتأكّل بعد تراكمات فشلٍ في عدد من الملفات الداخليّة، كان التنظيم الإرهابيّ بقيادة زعيمه الجديد أبو إبراهيم القرشيّ يعمل طوال السنتين الأخيرتين، وتحت نظر القوات الأميركية واستخباراتها في العراق وسوريا، على جمع صفوفه وإعادة بثّ الروح في جسده المتهالك، وبدأ الجميع يسمع أخبار تصاعد عملياته في سوريا والعراق، وصولاً إلى لحظة اقتحام السجن في الحسكة، وهي اللحظة التي كانت الإدارة الأميركية تصعّد فيها على الجبهات مع العدوّين الرئيسيين، روسيا والصين، وخصوصاً في حديقتهما الممتدة بين كازاخستان وأوكرانيا.

وطوال هذا الوقت، كان أبو إبراهيم القرشي يقبع في مربّع آمن في بلدة أطمة القريبة من الحدود التركية في الشمال السوريّ، على بُعد أقلّ من 200 متر من حاجز لـ”هيئة تحرير الشام” (جبهة “النصرة”)، وأقل من 500 متر من مخفر شرطة تركيّ، وعلى بُعد حوالى 800 متر فقط من نقطة عسكريّة تركيّة.

أرادت واشنطن من خلال عملية قتل القرشي خلط بعض الأوراق وإصابة أكثر من عصفور بحجرٍ واحد. من جهة، شكّلت عملية اقتحام التنظيم للسجن في الحسكة ضربة لهيبة الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق السوريّ، بعد أن كانت واشنطن تتباهى بانحسار عمليات التنظيم تماماً في منطقة شرق الفرات في الأشهر الأخيرة من العام الماضي وصولاً إلى أوائل كانون الأول/ديسمبر، إذ كثّف التنظيم عملياته في منطقة البادية السورية الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية وحلفائها، وفي العراق، ولم يقم بأيّ تحرّك في منطقة شرق الفرات، وبالتالي أرادت واشنطن ردّ الصفعة بأقوى منها وحفظ ماء الوجه من خلال قتلها القرشي، رغم أنّ قلائل جدّاً في سوريا – وعلى اختلاف جبهاتهم – يصدّقون أنّ التنظيم استطاع التخطيط والتنفيذ بعيداً عن أعين الولايات المتحدة وعلم استخباراتها. ويرى هؤلاء أنّ واشنطن سمحت بحدوث عمليّة اقتحام السجن، بهدف إعادة خطر “داعش” إلى الواجهة، لتبيان أهمية وجود قواتها في سوريا.

من جهة أخرى، أراد بايدن الردّ على عملية كهذه بـ”فيلم” أميركي كذاك الذي حدث في أطمة، لتعويم نفسه قليلاً على أبواب الانتخابات النصفيّة، وخصوصاً أنّ هذا التعويم جارٍ من خلال الضغط على جبهات أخرى أيضاً، أهمها أوكرانيا، حيث “العدو الروسيّ” الذي يسهل تسويق خطره في الداخل الأميركيّ.

الأسئلة التي تطرح نفسها هنا: كيف ولماذا اختار القرشي قيادة عملية إحياء تنظيمه من ذاك البيت المحاط بكل تلك القوى الأمنية التركية، ومن قلب مربّع أمني تسيطر عليه جبهة “النصرة” الإرهابيّة التي تأتمر بأمر أنقرة؟ وهل كانت الأخيرة تعلم بوجوده بين ظهراني قواتها وفي منطقة نفوذها؟ وهل كانت واشنطن نفسها تعلم بوجوده هناك منذ البداية، وانتظرت اللحظة الأنسب لقتله، أو أنّ معلوماتٍ حصلت عليها واشنطن من بعض عناصر وقيادات التنظيم الّذين قُبض عليهم إثر عملية السجن، هي التي أوصلت القوات الأميركية إليه؟

تربط معلومات متقاطعة بين عودة نشاط “داعش” وهجماته شرقي الفرات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وصفقة تركية جرت مع التنظيم أواخر العام الماضي، وذلك بعد احتجّت قيادات في التنظيم على اعتقال أنقرة قياديَّيْن كبيرين في “داعش” (والي تركيا ووالي سوريا) في حزيران/يونيو العام الماضي، فأوقف التنظيم هجماته على “قسد، العدو الرئيسي للأتراك، احتجاجاً على الاعتقال، لكنه أعاد هجوماته في كانون الأول/ديسمبر بعد نجاح الصفقة مع الأتراك. وربما كان وجود القرشي في أطمة تحت أعين الجيش التركيّ وإدارته عمليات التنظيم منها هو جزء من الصفقة.

وقد شكّلت عودة هجمات التنظيم على مناطق “قسد” المحميّة أميركيّاً ضغطاً جديداً على واشنطن، بالتزامن مع تعرّض قواعدها في الشرق السوري لهجمات عديدة بالصواريخ والطائرات المسيّرة من قوى محور المقاومة خلال السنة الأخيرة.

وسواء كانت واشنطن تعلم مسبقاً بمكان وجود القرشي أو توصّلت إلى معلومات جديدة دلّت على مكانه، فإنّها، وخلفها “قسد”، توجّه أصابع الاتهام إلى أنقرة بمساعدة التنظيم حتى في عملية اقتحام السجن.

لذلك، تكون العملية الأميركية في قلب منطقة نفوذ الاحتلال التركي رسالة إلى النظام التركيّ، وهي رسالة قد تعيد فتح ملفّ إدلب التي تحوّلت إلى مأوى لكلّ فصائل الإرهاب وقياداته في المنطقة، ما قد يدفع أنقرة إلى تقديم تنازلات أمام واشنطن في ملفّ الكرد وملفات أخرى قد تشمل الصّراع الأميركيّ مع روسيا في أوكرانيا وجوارها، لما لأنقرة من نفوذ قوميّ وسياسيّ في بلدان الحديقة الروسيّة، أو قد تدفع “رسالة إدلب” أنقرة باتجاه موسكو ودمشق.

في التقرير الاستخباري الأميركيّ السنوي للعام 2021، توقّعت دوائر الاستخبارات هناك أنْ تقوم دمشق ومحور المقاومة بتصعيد الهجمات على قواتها الموجودة في سوريا، وأنْ تقع هذه العمليات من دون أنْ يتبنّاها أحد.

صحيح أنّ محور المقاومة لم يتبنّ بشكلٍ رسميّ أيّاً من تلك العمليات التي بدأت بالتصاعد انطلاقاً من أوائل العام الماضي، لكن يعرف الجميع من يطلق الصواريخ على قوات الاحتلال الأميركيّ، ومن يُسيّر المسيّرات التي باتت تُشكّل رعباً لهذا المحتل، فالقرار بمواجهة الأميركي في سوريا وتكثيف العمليات على قواعده اتّخذ ولا رجعة عنه حتى جلاء آخر جنديّ محتل. هذا الأمر ينطبق على إدلب أيضاً، التي لها ترتيبات أشدّ تعقيداً من مسألة طرد جنود “الإمبراطورية” الأميركيّة.

لا ينتظر أحد في سوريا المحرّرة ومحور المقاومة من واشنطن أن تنشر رؤيةً واستراتيجيةً لاحتلالها جزءاً غالياً من هذه البلاد، وهي ترى أنَّ الأمر لا يستحق ذلك ما دامت قادرة على تأمين تغطية كردية وداعشية لهذا الاحتلال، وما دامت ترى حتى اللحظة أنها تستطيع سرقة نفطنا وإحراق محاصيلنا وتجويعنا حتى الموت.

هي تستخدم، ثم تقتل، والقرشيّ هذا، كسابقه البغدادي، لم يكن سوى حوذيّ لعربة الاحتلال الأميركي لسوريا، والتضحية بحوذيّ واستبدال آخر به وقت الحاجة هي عادة أميركية مزمنة، لكنّ إمطار قواعد الاحتلال بالصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة باتت عادة المقاومين التي لا يمكن لجنود الإمبراطورية احتمالها أو اعتيادها.

وقد بدأت سماء المقاومة تشهد هطولات الخير، ولن يستطيع بايدن تحمّل رؤية جنوده عائدين “أفقيّاً” إلى البلاد، وهو، إنْ نجا من الانتخابات النصفية، فإنّه قد لا ينتظر طويلاً حتى يسمع اسمه في خطاب للرئيس السوريّ أو السيد نصر الله يردُ في معنى الطّرد:

“لقد أزلناهُ من ساحة المعركة”.
الميادين