حرب أوكرانيا… أول ساحة اختبار حقيقي للمسيّرات التركيّة
مع تصاعد النزاع الروسي – الأوكراني على الأرض وفي القاعات الدبلوماسية، تحتدم منافسة من نوع مختلف بين كل من موسكو وحليفتها الحديثة أنقرة، في صراع على سمعة الصناعات العسكرية، التي لا تقل أهمية بالنسبة الى الطرفين عن المعارك الميدانية الدائرة حالياً.
وتواجه الدفاعات الجوية الروسية شائعة الصيت، في الساحة الأوكرانية، المسيّرات التركية، التي نجحت في السنوات الأخيرة في لفت الأنظار إليها، نظراً الى فاعليتها الميدانية في العديد من جبهات القتال مقابل كلفتها المنخفضة، لتجد لنفسها مكاناً متميزاً في لائحة الدول المالكة لهذه التكنولوجيا الحاسمة، إلى جوار كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والصين.
“بيرقدار” التركيّة تنعش آمال كييف
منذ الساعات الأولى لبدء العملية العسكرية الروسية، لم تتوان كييف عن الإعلان عن استخدامها المسيّرات التركية الساطع نجمها أخيراً، حينما أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية عبر صفحتها الرسمية على “فايسبوك” “استخدام قوّاتها المسلّحة للمركبات الجوية من دون طيار التركية من نوع “بيرقدار” في عمليات البحر الأسود”.
الإعلان الأوكراني عن المسيرة على رأس منشور في “فايسبوك”، وفي مقدمة مقطع مصور للمتحدث باسم الجيش، يشير إلى مدى تعويل كييف على المسيّرات التركية لقلب موازين القوى المائلة لمصلحة موسكو وخلط الحسابات في الميدان، بخاصة أن “بيرقدار تي بي 2” أثبتت قدرات تكتيكية عالية في مواجهة المدرّعات والتحصينات على حد سواء.
استخدم فخر الصناعات الدفاعية التركية في العديد من النزاعات في السنوات الأخيرة. فقد استخدمتها أنقرة ضد الجيش السوري والمسلّحين الأكراد في الشرق الأوسط، كما لعبت دوراً بارزاً في إيقاف مد متمردي تيغراي في الحرب الأهلية الإثيوبية، واستخدمتها حليفة أنقرة، أذربيجان أيضاً، ضد القوات الأرمينية في حرب ناغورني كاراباخ الثانية عام 2020، حيث برزت كعنصر رئيسي في انتصار باكو، خلافاً للحرب الأولى.
وبالنظر إلى ساحتي عمل “بيرقدار” في سوريا وأرمينيا، فإن أحد القواسم المشتركة بينهما هو اعتماد الجيشين على الدفاعات الجوية الروسية، باختلاف أعدادها وتفاوت حداثتها، ووجود الجيش الروسي على الأرض في كلا البلدين، ما قد يرفع من معنويات كييف وآمالها في إعادة الكرّة، مباغتة المدرّعات الروسية في الميدان.
في المقابل، لا تبدو المقاربة الأوكرانية دقيقة، بحسب جنرال أرميني متقاعد تحدث إلى “النهار العربي” قائلاً: “نجاح بيرقدار تي بي 2 في ناغورني كاراباخ يعود إلى افتقار أرمينيا الى أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، بمعنى آخر هذه المسيّرات أثبتت فاعليتها حتى الآن ضد الدفاعات الجوية السوفياتية من صناعة ثمانينات القرن الماضي، والحرب الأوكرانية هي الاختبار الأول لها ضد المنظومات الجوية الحديثة”.
ويضيف الخبير العسكري، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه: “المسيّرة التركية التي يقودها طاقم مكوّن من ثلاثة أشخاص على الأرض قادرة على التحليق في الجو لساعات طويلة والعودة إلى قاعدة انطلاقها بسرعة للتزوّد بالوقود وإعادة التسلّح، كما أن طيرانها على ارتفاعات منخفضة يمنحها ميزة التركيز على التفاصيل التي قد تفوّتها طائرات الاستطلاع التقليدية، لكنها في المقابل تفقدها القدرة على تفادي نيران الدفاعات الجوية الروسية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار سرعتها المتواضعة والبالغة 225 كم/س حداً أقصى، وقدرات الحرب الإلكترونية الروسية وأنظمة الإنذار المبكر التي تمتلكها، فإنها ستؤدي إلى كشف تحرّكاتها من بعيد قبل وصولها إلى هدفها، وبالتالي سيمنح القوات الروسية خيارات عدة للتعامل معها”.
المسيّرة التركيّة الفعّالة والرخيصة
تتميز المسيّرات التركية برخصها من جهة، فتكلفتها تقارب 5 ملايين دولار، مقارنة بـ20 مليون دولار لـ MQ-9 Reaper الأميركية أو 28 مليون دولار لـ RG Mk 1 الأميركية الأكثر تقدّماً والتي ستدخل قريباً في الخدمة في سلاح الجو الملكي البريطاني، ومن جهة أخرى بفاعليتها، على عكس النماذج الأخرى الأرخص مثل Wing Loong الصينية، أي أنها توفّر معظم ميزات الطائرات الغربية ولكن بسعر أرخص.
عام 2019، اشترت أوكرانيا 6 مسيّرات “بيرقدار تي بي 2” من شركة “بايكار” التركية لصناعة المسيّرات مقابل 69 مليون دولار، وتم تسليم أول طائرة إلى البحرية الأوكرانية في تموز (يوليو) من العام الماضي. وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلنت كييف عن نيتها شراء 24 مسيرة إضافية.
في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، استخدمت كييف المسيّرة ضد القوات المدعومة من روسيا في منطقة دونباس بشرق البلاد للمرة الأولى، بالتزامن مع تأكيد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للصحافيين في حينه أن “صناعة الدفاع والطيران هما القوة الدافعة الرئيسية لشراكتنا الاستراتيجية (مع تركيا)”.
خطوة ردت عليها موسكو بعد فترة قصيرة بالامتناع عن شراء البرتقال التركي بذريعة “احتوائه على كميات مفرطة من المبيدات الحشرية”، معيدة إلى الأذهان الإجراءات التي اتّخذتها رداً على إسقاط أنقرة لمقاتلتها في سوريا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، حين علّقت رحلات الطيران التي تقل ملايين السياح الروس إلى شواطئ تركيا، إضافة إلى إيقاف استيراد المحاصيل الزراعية وعلى رأسها الطماطم من تركيا، فيما ثأرت لطيارها ربّما، من خلال قصف طائراتها مواقع تركية في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة الفصائل الراديكالية، ما أسفر عن مقتل 37 عسكرياً تركياً.
وقالت السفارة الأوكرانية في تركيا، يوم السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت قافلة عسكرية روسية في مدينة خيرسون الجنوبية باستخدام مسيرات تركية من طراز “بيرقدار تي بي 2″، وذلك من خلال تغريدة عبر حسابها الرسمي في “تويتر”، مرفقة بمقطع فيديو يُزعم أنه يظهر آثار الضربة. كما قالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن المسيّرات قصفت أيضاً القوات الروسية في مطار هوستومول بالقرب من العاصمة كييف. فيما لم يصدر أي تعليق من روسيا على التصريحات الأوكرانية.
في المقابل، أعلن حساب قوات لوغانسك الشعبية على تيليغرام إسقاط مسيرتين من طراز “بيرقدار تي بي 2” تابعتين للقوات المسلحة الأوكرانية بالقرب من قرية شاستي، وثالثة بالقرب من قرية لوزوفو شمال الجمهورية المستقلة من طرف واحد.
صفقة تجاريّة تحت مظلّة الشّراكة
مع تصاعد التوتر بين موسكو وكييف، سارع الرئيس التركي بداية الشهر الحالي إلى زيارة العاصمة الأوكرانية والتوقيع على اتفاقية سريعة لإنتاج المسيرات التركية بالاشتراك مع حليفتها في البحر الأسود، التي تعهّدت في المقابل تزويد تركيا محركات ذات تكنولوجيا عالية من إنتاج مصنع Motor Sich. من الواضح أن هدف أردوغان من الاتفاق العاجل هو استباق طلب روسي متوقّع من أنقرة الكف عن تزويد عدوها بهذه المسيرات، بالرد على كون الصفقة شراكة صناعية لا عملية تجارية، وذلك من خلال المصنع الذي أُسّس في مدينة فاسيلكيف، الواقعة على بعد 53 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة الأوكرانية لإنتاج المسيرات إنتاجاً مشتركاً.
وحاولت أنقرة الخميس، طمأنة موسكو بلسان وزير دفاعها، خلوصي أكار، الذي شدد على التزام بلاده معاهدة مونترو 1936، التي تحظر وصول حاملات طائرات الناتو إلى البحر الأسود عبر مضيق البوسفور، وتحصر السفن الحربية الأخرى في رحلات قصيرة وبعلم مسبق.
سياسة المسيّرات
كما مثّلت المسيرات إحدى الركائز الرئيسية لسياسات الرئيس أردوغان الخارجية التوسعية سابقاً، فإنها قد تساعده اليوم في كسر العزلة الإقليمية والجمود في السياسة الخارجية عبر تقوية شراكاته الحالية، وخلق شراكات جديدة طويلة الأمد، مبنية على توفير قطع الغيار والذخائر والتدريب وغيرها من المساعدات الفنية.
تراقب أنقرة الحرب الروسية – الأوكرانية بحبس الأنفاس، لإدراكها أن فشل “بيرقدار” في دعم أوكرانيا عسكرياً سيضرّ حكماً بسمعة صناعاتها العسكرية. 9 دول حوال العالم تعتمد اليوم على المسيّرات التركية، إضافة إلى تقدّم 16 دولة أخرى، بما فيها دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي مثل بولندا ولاتفيا وحتى المملكة المتحدة، بطلبات شراء لهذه المسيّرات. كما أدى ذلك إلى تعزيز الصناعة الدفاعية في تركيا واقتصادها الذي يعاني أزمة خانقة. فقد مثّلت المسيرات ما لا يقل عن 700 مليون دولار من مبيعات الصناعات الدفاعية التركية التي رفدت الخزينة بـ 3.2 مليارات دولار.
في المقابل، فإن نجاح الدفاعات الجوية الروسية سيؤدي إلى ارتفاع مبيعات موسكو من الأسلحة عموماً، وبخاصة منظومات الدفاع الجوي، إضافة إلى إراحة العديد من الدول، التي باتت المسيّرات التركية تشكّل قلقاً لجهة استخدامها من قبل تركيا، كما هي الحال بالنسبة لليونان مثلاً، أو لجهة حيازتها من قبل عملاء أنقرة المحتملين.
النهار-سركيس قصارجيان
اقرأ ايضاً:وزارة الدفاع الروسية تعلن سيطرة سلاح الجو الروسي على أجواء أوكرانيا بشكل كامل