الأحد , سبتمبر 25 2022
خيار بوتين في أوكرانيا – بين السيناريو السوري والحرب النووية

خيار بوتين في أوكرانيا – بين السيناريو السوري والحرب النووية

خيار بوتين في أوكرانيا – بين السيناريو السوري والحرب النووية

ما هي خطط بوتين في أوكرانيا؟ لا أحد يفهم.

بالطبع، هناك هدفان معلنان رسميا: نزع السلاح واجتثاث النازية، بالإضافة إلى ما أعلن عنه الكرملين مرارا وتكرارا من أنه لن يحتل أوكرانيا، إلا أنه من الواضح أن تنفيذ هذه المهام قد يأخذ أشكالا متعددة، ولا وضوح في هذا الشأن.

لا توجد أسئلة حول الهدف الأول، فالجيش الروسي يدمر، على نحو منهجي وبانتظام، الجيش الأوكراني والصناعات العسكرية الأوكرانية، والتي ستختفي من الوجود خلال شهر أو يزيد، وهو هدف لا يتعارض مع حقيقة غياب نية الاحتلال.

بالنسبة للهدف الثاني، فالوضع أكثر تعقيدا. بالطبع سيقتل معظم النازيين الذين يخدمون في الجيش خلال هذه الحرب. مع ذلك، فقد عكفت أنظمة بوروشينكو وزيلينسكي، الموالية للولايات المتحدة الأمريكية، على بث الكراهية والدعاية النازية داخل المجتمع الأوكراني لمدة 8 سنوات بعد الانقلاب، لهذا سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ضمان اجتثاث النازية من المجتمع الأوكراني، من دون احتلال لبعض الوقت.

في الوقت نفسه، فإن إنجاز هذه المهمة أمر حيوي لأمن روسيا على المدى الطويل.

لكن القوات الروسية التي دخلت الأراضي الأوكرانية هي أقل بثلاث مرات من تعداد الجيش الأوكراني، ومع الوضع في الاعتبار حالة التعبئة التي يقوم بها نظام زيلينسكي حاليا، فربما يصبح التفوق العددي للجيش الأوكراني بضعفين أو ثلاثة أخرى.

وأخذا بعين الاعتبار التفوق الكامل للجيش الروسي من حيث الأسلحة، فمن الممكن تحقيق نصر عسكري على أوكرانيا، لكنه من المستحيل بكل تأكيد السيطرة على كامل أراضي الدولة. علاوة على ذلك، فإن روسيا لم تغيّر السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرتها بعد. وبصرف النظر عن الحالات التي اضطرت فيها إلى ذلك نظرا لحالات التخريب النادرة، فقد ظل جميع رؤساء البلديات السابقين وغيرهم من السلطات الأوكرانية في أماكنهم.

بشكل عام، يشهد كل ذلك لصالح حقيقة أن الكرملين لا يهدف فعليا إلى احتلال أوكرانيا. لكن الأهداف، بطبيعة الحال، يمكن أن تتغير تحت تأثير الظروف الجديدة ومسار الحرب.

يذكرني ذلك أكثر فأكثر بما قامت به الوحدات الروسية في سوريا، حيث تم تحقيق نقطة التحول في الحرب بواسطة تعداد قوات متواضع إلى حد ما.

أشارككم فهمي لسياسات الرئيس بوتين: إنه لا يسعى، في أي صراع، إلى فرض إرادته، وإنما يسعى فقط إلى منع العدو من الانتصار، خاصة إذا ما كان الخصم أقوى، وهو ما يدفعه إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. يقلل ذلك من إهدار الموارد، وتتيح مثل تلك التسوية نتائج طويلة الأجل.

فإذا كان الخصم عاقلا، سيشرع عندئذ في الحوار إن عاجلا أم آجلا، ليتم التوصل إلى نقطة توازن مقبولة للطرفين، كما هو الحال مع تركيا في سوريا. في أوكرانيا، اتبع بوتين هذا التكتيك لمدة 8 سنوات، ومنع أوكرانيا من الانتصار في إقليم الدونباس، لكن الدعم والتشجيع الأمريكي، لسوء الحظ، أصاب القادة الأوكرانيين بالزهو بالقوة، ورفضوا المفاوضات والتسويات. يحدث الشيء نفسه في إطار الصراع مع الغرب ككل، الذي لا يزال واثقا من مناعته، ولا يتنازل حتى يبدأ فعليا في النزيف.

أعتقد أن تلك هي المهمة الأساسية للعملية الخاصة في أوكرانيا، والتي تأتي في إطار هذا النهج، للقضاء على النفوذ النازي والأمريكي في البلاد، وتحقيق شكل من أشكال التسوية مع السلطات الأوكرانية التي ستنشأ بعد إزالة نظام زيلينسكي.

كل هذه المهام، بما في ذلك المهمة الأخيرة، يمكن تحقيقها بقوة استكشافية ضئيلة الحجم نسبيا. في هذا الصدد، يحمل الاستيلاء على مناطق جديدة أهمية ثانوية بالمقارنة بمهمة تدمير الجيش الأوكراني. أعني أن هذا هو السبب لإحجام بوتين عن زيادة عدد القوات في أوكرانيا من أجل إحراز تقدم أسرع، بمعنى اتباع السيناريو السوري وتقليل إنفاق الموارد والاعتدال في التوقعات. وفي مواجهة المقاومة الجادة، سيركز الجيش الروسي على المزيد من تدمير الجيش الأوكراني والبنية التحتية العسكرية بمساعدة الطائرات والصواريخ، التي يتفوق فيها بميزات ساحقة، لتحقيق الهدف دون زيادة في إنفاق الموارد، ولكن في وقت أطول قليلا.

ولا أعتقد أنه سيقتحم المدن الكبيرة التي يسيطر عليها الجيش الأوكراني على الأرجح، وإنما سيتم تطويقها، وبمرور الوقت، سينقل الجنود الأوكرانيين من هناك إلى إدلب الأوكرانية: غرب أوكرانيا.

لكني لست متأكدا جدا من النقطة الأخيرة، وإليكم السبب:

ليس من قبيل الصدفة أن يظل بوتين غامضا بشأن خططه، فعندما تكون خطتك معروفة للعدو، يسهل عليه التخطيط للرد. إلا أن السؤال يظل مطروحا: إلى أي مدى يمكن أن يذهب بوتين؟

لم يكن عبثا نقل الأمريكيين لسفارتهم أولا إلى مدينة لفوف. فأوكرانيا الغربية هي موطن النازية الأوكرانية، إنها دولة داخل الدولة، بعقلية وتاريخ مختلفين. يتحدث السكان هناك اللغة الأوكرانية في البيت، بينما يتحدث معظم سكان أوكرانيا اللغة الروسية أو مزيج من الأوكرانية والروسية على الأقل. باختصار، تعتبر هذه المنطقة بالنسبة لروسيا عملية استحواذ مشكوك فيها للغاية. ولدى الجميع سبب وجيه للشك في أن روسيا ستذهب إلى الحدود الغربية لأوكرانيا من أجل مثل هذه “الهدية”.

من ناحية أخرى، فإذا لم يتم تطهير كامل الأراضي الأوكرانية من النازيين، فإن التشابه مع سوريا سيكتمل، وستظهر جيوب إرهابية تحت سيطرة قوى خارجية، مثل إدلب، وستكون قرحة تنزف في الجسد الأوكراني، ومنها سيأتي تهديد مستدام على بقية أراضي البلاد.

في الآونة الأخيرة، شهدنا المزيد والمزيد من بوادر التطورات في هذا الاتجاه. فقد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحلبة دميتها “الحمقاء المفيدة” useful idiot، بولندا، وهي مستعدة لأن تحرق نفسها في نيران الحرب بكل إخلاص وسرور، بشرط أن تجر أوروبا إلى صراع عسكري مع روسيا لصالح الولايات المتحدة. وبالفعل بدأت بولندا بنشاط تشكيل تحالف لغزو أوكرانيا. وفي قمة “الناتو” الطارئة المنعقدة يوم أمس، الخميس 24 مارس، تمت مناقشة اقتراح بإنشاء ما يسمى بـ “قوات حفظ السلام”، والتي تتكون من 10 آلاف جندي، والتي تجنب الأمريكيون المشاركة فيها، لكنهم لا يتدخلون علنا في مبادرة بولندا الانتحارية.

وقد أدى غياب الوضوح في خطط بوتين إلى إعاقة الغرب حتى الآن. دعونا نتذكر أن بوتين، وبينما كان يعلن عن بداية العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، كان قد حذر الغرب من أي محاولة لعرقلة روسيا من استعادة النظام في أوكرانيا، وتوعّد أيا من تسول له نفسه بذلك من عواقب وخيمة لا مثيل لها في تاريخه.

ومع ذلك، ففي رأيي المتواضع، لا أعتقد أن أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر احتمال استخدام روسيا للأسلحة النووية احتمالا حقيقيا. وحتى ولو لم يكن الأمر كذلك، فإن واشنطن، على أية حال، مستعدة للتضحية، ليس فقط ببولندا ودول البلطيق، بل بأوروبا الشرقية كلها، إذا كان من الممكن في سبيل ذلك جعل روسيا وأوروبا الغربية أعداء لعقود، وإجبارهم على الدخول في الحرب.

لذلك، يتصاعد احتمال غزو بولندا لأوكرانيا الغربية وتزداد واقعيته يوما بعد يوم.

فكيف سيكون رد بوتين على ذلك؟

سؤال عويص.

لقد انتزع ستالين أجزاء من أراضي رومانيا والمجر وبولندا ليضمها إلى أوكرانيا. ربما يكون تقسيم أراضي أوكرانيا وسيلة معقولة للخروج من هذا الوضع، وقد ظهرت خارطة كهذه على التلفزيون البولندي مؤخرا.

ولكن، من ناحية أخرى، يخلق الغزو البولندي خطر حدوث صدام مباشر بين القوات الروسية وقوات الدول الأعضاء في “الناتو”، وهناك توجد حرب نووية وشيكة للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب ألا ننسى أن أوكرانيا ليست القضية الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية في الوقت الحاضر. وقد ركز الإنذار النهائي لروسيا في ديسمبر الماضي على إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من أوروبا، دون إشارة تذكر تقريبا لأوكرانيا.

بمعنى أن الأمر غير المقبول بالنسبة لروسيا، ليس تعزيز وجود “الناتو” في أوروبا الشرقية فحسب، وإنما وجوده هناك بالأساس، وهو ما يزيد من مخاطر التصعيد، إذا ما تورطت بولندا ودول أخرى في الصراع.

باختصار، فإن الحرب في أوكرانيا تخرج بسرعة عن سيطرة الأطراف، وتخلق وضعا لا يمكن التنبؤ بتداعياته على الإطلاق.

فإذا أرسلت بولندا قواتها إلى غرب أوكرانيا، فسيصبح كل شيء ممكنا، بما في ذلك اندلاع الحرب النووية، أو تحويل أوكرانيا إلى سوريا أخرى بمناطق احتلال مختلفة.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

روسيا اليوم

اقرأ ايضاً:روسيا تهدد بوقف إيصال المساعدات إلى سوريا