السبت , أبريل 5 2025
شام تايمز
لعنة بريجنيف وستالين تطارد بوتين: أوكرانيا.. لعنة التاريخ والجغرافية؟!

لعنة بريجنيف وستالين تطارد بوتين: أوكرانيا.. لعنة التاريخ والجغرافية؟!

شام تايمز

لعنة بريجنيف وستالين تطارد بوتين: أوكرانيا.. لعنة التاريخ والجغرافية؟!

شام تايمز

لم يكن الصراع الدائر في أوكرانيا وليد اللحظة كما لم يولد من الفراغ ,وكلمة السر هي التاريخ والجغرافية ,تاريخ يعيد البلاد إلى الحضن السوفياتي وجغرافية تشدها إلى دائرة الاتحاد الأوروبي , واقع جعل من البلاد مكسر عصا بين المعسكرين المتصارعين تاريخيا, شرقي ممثلا بروسيا الاتحادية وغربي ممثلا بحلف شمال الأطلسي (ناتو) . أخذ المعسكران يلعبان لعبة شدّ الحبال في أوكرانيا وكل يسحب الحبل إلى طرفه لإدماجها في عقيدته الأيدولوجية بما تشمله من سياسة واقتصاد وثقافة ولكلٍّ أهدافه ,فالغربي عدّ أوكرانيا بالنظر إلى موقعها الجغرافي ,جبهة متقدمة للهجوم على روسيا التي أصبحت قوّة عظمى تهدد أحادية القطب الأمريكي وتعيد العالم إلى سياسة تعدد الأقطاب ,والشرقي يعدّ مستقبل أوكرانيا خطاً أحمرا لأمنه القومي الذي يعني المساس به خسارة مدوية لروسيا في صراع الأقطاب أو الأضاد.

شام تايمز

هذا عن المعسكرين المتصارعين ,أما عن أوكرانيا ,ميدان صراعهما فهي تعيش بين مطرقة الغرب وسندان الشرق فالأول يعمل على تحريضها للانضمام إلى حلف الناتو وكذلك إلى عضوية الاتحاد الأوروبي والثاني يعمل على تصحيح “الخطأ التاريخي” الذي اقترفه البلاشفة في أعقاب انتصار ثورتهم عام 1917 ممثلا بإعادة الأراضي التي أقيمت عليها دولة أوكرانيا إلى موقعها القديم على الخارطة الروسية بعد أن أخطأ فلاديمير لينين وجوزيف ستالين وخروتشوف باقتطاعهم أجزاء من روسيا التاريخية وتأسيس دولة أوكرانيا. تأخرت الحركة التصحيحية الروسية لكن أن تصل متأخرا خير من ألاّ تصل أبدا,أو ربما كل شيء في وقته حلو وفق حسابات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ,الذي سخّن الصراع في أوكرانيا حتى وصل حدّ الغليان بحربه المباشرة عليها بعد عدة جولات باردة بدأت بين المعسكرين الغربي والشرقي في أوكرانيا قبيل اندلاع ما يعرف بالثورة البرتقالية بين عامي 2004 و 2005 .

كانت الشرارة الأولى مع صدور نتائج الانتخابات الرئاسية التي أظهرت فوز المرشح فيكتور يانوكوفيتش ضد منافسه الإصلاحي فيكتور يوشينكو الأمر الذي أثار حفيظة فيكتور الثاني فدعا أنصاره إلى تنظيم احتجاجات ومظاهرات منددة بتلك النتيجة التي وصفها بالمزورة ,وبالتالي المطالبة بإعادة الانتخابات.

دبّ الصوت في أرجاء المدن الأوكرانية ورفع أنصار يوشينكو ممن ينشدون “أوكرانيا أوروبية” ,الراية البرتقالية التي لا تمتُّ إلى العلم الأوكراني بصلة فهي لاصفراء ولا زرقاء ولاتسرّ الناظرين من الأوكرانيين الشرقيين من القوميين الروس الذين يدينون بالولاء لروسيا الاتحادية ,فأعلنت روسيا رفضها للثورة لعدم تقديم يوشينكو أي دليل يؤكد توير الانتخابات الرئاسية, فيما أدانت أمريكا والاتحاد الأوروبي العملية الانتخابية واعتبروها غير شرعية وأعلنوا تأييدهم للثورة البرتقالية.

كسب المعسكر الغربي الجولة الأولى حيث ألغيت نتيجة الانتخابات، وأمرت المحكمة العليا الأوكرانية بإعادة التصويت ثم في كانون الثاني / يناير من عام 2005 صادقت المحكمة العليا على نتائج الانتخابات التي فاز فيها يوشينكو زعيم الثورة .وأخذ بوشينكو يجر بلاده صوب أوروبا وباتت أوكرانيا أكثر انفتاحا على القارة العجوز واتحاد دولها وبدأت تخلع عنها ثوب ماضيها السوفييتي. لكن لم يستمر شهر العسل الأطلسي في أوكرانيا إلى ما لانهاية فخلال خمس سنوات من الحكم فشل يوشينكو بالوفاء بالعهود التي قطعها للشعب الأوكراني خاصة فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والخدمات , وحفل عهده باستشراء الفساد وزيادة معدلات البطالة والفقر وعجز الميزانية الأمر الذي كان بيئة خصبة لصعود رجال الأعمال الذين انقسموا أيضا إلى مؤيد للمعسكر الشرقي ممثلا بالرئيس السابق يانوكوفيتش الذي يدين بالولاء لروسيا وآخر يقف في صف المعسكر الغربي المؤيد لزعيم الثورة يوشينكو وبالتالي حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

أجواء خلقت فوضى اضطرت يوشينكو للدعوة إلى انتخابات برلمانية أخرى عام 2007، وفيها تراجع حزبه وتقدم “حزب المناطق” بزعامة الرئيس السابق يانوكوفيتش، فاضطر يوشينكو نتيجة ذلك إلى قبول منافسه يانوكوفيتش رئيساً للوزراء. ليخسر المعسكر الغربي الجولة , لكن لم يستسلم ,إذ عادت لعبة شد الحبل مجددا وهذه المرة من خلال الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 17 كانون الثاني / يناير عام 2010 والتي هزم فيها الرئيس يوشينكو لصالح يانوكوفيتش الذي عاد إلى سدة الرئاسة ما وصفه أنصاره وقتها بنهاية الكابوس البرتقالي . لكن يبدو أنه لم يكن وصفا دقيقا فالكابوس لم ينته بعد وحلف الناتو لم يعلن الهزيمة وعدّها جولة أخرى سيعقبها جولات لاحقة . سارع الاتحاد الأوروبي إلى جرّ الرئيس يانوكوفيتش إلى ضفته وأوشك الأخير على توقيع اتفاقية الشراكة الأوروبية التي تعني بشكل مباشر تهديدا للشركات الروسية ,لكن تدخل بوتين في ربع الساعة الأخير,أنقذ الموقف ودفع يانوكوفيتش إلى تعليق استعداد أوكرانيا لتوقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في تشرين الثاني/نوفمبر للعام 2013.

على إثر قرار يانوكوفيتش هذا سارعت حملة “من أجل أوكرانيا أوروبية ” إلى تنظيم مسيرة معارضة جديدة في الساحة الأوروبية وأعلنت التظاهر المفتوح لحمل قيادة البلاد على توقيع اتفاقية الشراكة مع الأوروبي,واستمرت المظاهرات عدة أشهر حتى بلغت ذروتها في العام 2014 حيث انتهت بانقلاب على الرئيس يانوكوفيتش بتصويت البرلمان الأوكراني لصالح إقالته وتحديد 25 أيار / مايو موعدا للانتخابات الرئاسية .

لكن روسيا أيضا لا تستسلم للخسارة فسارعت إلى شدّ الحبل إلى الشرق وهذه المرة وضعت مركز ثقلها في شبه جزيرة القرم ذات الأغلبية العرقية الروسية فأعلنت ضم القرم إليها وبدأت بتقديم الدعم والإسناد للإنفصاليين شرقي أوكرانيا في حرب تصاعدت بشكل خطير وخلفت آلاف القتلى والجرحى.

وما أن جرت الانتخابات الرئاسية حتى فاز رجل الأعمال الأوكراني، بيترو بوروشينكو, ووعد فور فوزه بتوثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وفي عهده اعتمد البرلمان الأوكراني تشريعاً صادق فيه على الطلب الموجه إلى حلف الناتو ببدء إجراءات الانضمام “فوراً” وفي العام نفسه أعلن الناتو قبوله البدء بالمشاورات كما جرت تعديلات دستورية تؤكد التمسك بسياسة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي .وفي العام 2019 فاز فولوديمير زيلينسكي برئاسة أوكرانيا وسعى أيضا بشكل حازم لضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو .

لكن رغم كل تلك المساعي ورغم كل تلك الجولات والصولات بين المعسكرين المتصارعين عجز الغرب عن تحقيق طموحاته على حدود روسيا كما عجزت روسيا حتى اليوم عن تحقيق النصر المنشود بردع الغرب وإجباره على الاستسلام أو الانهزام فيما بقيت أوكرانيا تحت وطأة لعنة التاريخ والجغرافية.

فهل بقي أمامها فرصة للتحرر من تلك اللعنة ,ربما ,هي تعويذة البقاء على مسافة واحدة من كلا الطرفين المتصارعين والحفاظ على علاقات حسن الجوار وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر والنأي بنفسها عن صراع الأقطاب فهي دولة غنية بثرواتها ومستغنية إن شاءت عن هذا وذاك.

كاتبة سورية-ريم عثمان

رأي اليوم

اقرأ ايضاً:روسيا تكشف سبب تقدمها البطيء في اوكرانيا

 

شام تايمز
شام تايمز