الأحد , سبتمبر 25 2022
القطة الشقراء في فراش الملك

القطة الشقراء في فراش الملك

على مدى سنوات سبقت الغزو الروسي لأوكرانيا، تناهت الينا أصوات العديد من المفكرين والساسة في القارة العجوز، وهي تدعو الى وقف التبعية للولايات المتحدة التي اذ أدى ظهورها على المسرح الدولي الى اندثار آخر الأمبراطوريات الأوروبية، “لم يبق لنا من دور الا كنافخي الأبواق في… البلاط الأميركي”.

هنا القارة التي أنتجت الثلاثي الفذ الذي تولى ادارة المسارات الفلسفية، والتنكنولوجية، والايديولوجية، للقرن العشرين، وحيث بدأ الانقلاب الفعلي في البنية الكلاسيكية للتاريخ. شيء ما تغير في الكائن البشري. لم يعد السوبرمان في الأعمال الهوليوودية فقط، وانما في المختبرات، وفي المصانع، وفي الأسواق. الثلاثة هم (والمفارقة أنهم يهود) كارل ماركس، وألفرد اينشتاين، وسيغمند فرويد.

الكاتب البلجيكي ـ الفرنسي هنري ميشو قال، في حديث لمجلة “ماريان”، “ان الأميركيين ينظرون الى القارة كعجوز تملأ وجهها بالأصباغ، لكنني حين قارنت بين ساقي مارلين مونرو وساقي بريجيت باردو لاحظت أنه لا يزال باستطاعة أوروبا أن تصنع الأعاصير”!…

القارة المثقلة بالتاريخ شكلت ظاهرة فرويدية هائلة، حين نرى كيف أن أمبراطوريات تحولت بين ليلة وضحاها الى حالات هامشية في خارطة القرن…

اذ رأى الألماني غانتر غراس “ان الله تركنا، ربما للشيطان، وحط رحاله في أميركا”، قال الألماني (البروسي) الآخر أوتو فون بيسمارك “ان الله يحب السذّج والسكارى و… أميركا”.

تصوروا دولة مثل هولندا، وهي بلاد فون غوغ ورامبرانت، تبني مدينة نيوأمستردام التي أصبحت نيويورك. مستعمراتها كانت تشمل الكاب الإفريقية، وصولاً الى أندونيسيا ذات الـ 17500 جزيرة.

أين هي البرتغال، بلاد فاسكو دوغاما وألفاريز كابرال، التي تعتبر أول أمبراطورية عبر البحار في التاريخ، وكانت مستعمراتها تشكل جزءاً من 60 دولة مستقلة الآن.

من جنوى الايطالية، انطلق كريستوف كولومبس ليكتشف أميركا. مواطنه ماركو بولو أول من سلك طريق الحرير، وأقام علاقات ديبلوماسية بين المدينة وقبلاي خان أكبر أباطرة المغول.

ماذا عن بريطانيا التي لم تعد أكثر من ظل للولايات المتحدة ؟ في العشرينات من القرن الفائت، كانت ممتلكاتها تغطي 35.5 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 24% من مساحة الكرة الأرضية، لتغدو الأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. كذلك حال فرنسا التي امتدت مستعمراتها على مساحة 13.5 مليون كيلومتر مربع.

الآن، والقارة كلها تقريباً تحت العباءة الأميركية، من التي عرّتها من دورها … روسيا أم أميركا؟

حين فكّر فرنسوا ميتران الذي قال “لست بحاجة الى اذن من البيت الأبيض كلما تثاءبت”، بعقد مؤتمر حول الشرق الأوسط في مدينة البندقية، كتب توماس فريدمان مقالة مدوية في “النيويورك تايمز” استعار عنوانها من عنوان الرواية الشهيرة “موت في البندقية” لتوماس مان. المقالة كانت بمثابة الضربة القاضية للعصيان الفرنسي.

قد تكون دول الشرق، والوسط الأوروبي، بما فيها دول البلطيق، على حق حين تخاف من الدببة القطبية. الأمبراطورية الشيوعية ألغت الشخصية القومية، والشخصية التاريخية، لتلك الدول التي استعادت شخصيتها مع تفكك الاتحاد السوفياتي. الخوف والكراهية في آن، ولكن لماذا العداء لدى الغرب الأوروبي لروسيا، والى حد الاستعداد لخوض الحرب ضدها؟

بطرس الأكبر، باني روسيا الحديثة، كان مفتوناً باسلوب الحياة في فرنسا. عمل متنكراً في ورشة لبناء السفن، وقص بنفسه “اللحى المقدسة ” لرجال الحاشية.

الشيوعية، كايديولوجيا بنيوية، انتهت في روسيا التي لم تفكر يوماً، في غزو تلك البلدان. نابليون بونابرت وأدولف هتلر كانا يعتبران ألاّ أمبراطورية من دون روسيا. توجها شرقاً بجيوش جرارة وجبارة، ليسقطا عند أبواب موسكو…

تغريدة ريجيس دوبريه ” ننام في الفراش الأميركي مثلما تنام القطة الشقراء في فراش الملك”!!

نبيه برجي – الديار

اقرأ أيضا: سامي كليب: هل انتهت الحرب السورية وبدأت معركة الاقتصاد؟