الأحد , نوفمبر 27 2022
لماذا أعادت روسيا انتشار قواتها في شمال أوكرانيا؟

العميد أمين حطيط: لماذا أعادت روسيا انتشار قواتها في شمال أوكرانيا؟

عندما أطلقت روسيا عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا لتحقيق أهداف دفاعية استراتيجية محدّدة، تظاهر الغرب بالرفض والغضب وصبّ جامّ حقده عليها غضباً ورفضاً ترجم بحرب شاملة متعدّدة العنوانين ولا ينقصها إلا العنوان الميداني الناري الذي يتطلب إرسال الجيوش وفتح الجبهات لشنّ هجوم كاسح او التموضع بما يؤدّي الى تحطيم “الهجوم الروسي” الذي وصفه الغرب بقيادة أميركية بأنه عدوان ينتهك المواثيق الدولية وأحكام القانون الدولي.

هذا في المواقف الظاهرة، أما في العمق والباطن فقد كان الغرب عامة والفريق الانكلوساكسوني بقيادة أميركية بشكل خاص يصفق فرحاً او طرباً لرؤية روسيا تنزلق الى مستنقع أعدّ لها في أوكرانيا، تستنزف فيه قواها استنزافاً يؤدّي الى شطبها عن خريطة المنافسة الدولية ويقطع الطريق عليها في تثمير المكتسبات والإنجازات التي تحققت لها في الميدان السوري كما تمنعها من متابعة سعيها مع الصين وإيران ودول أخرى نحو إقامة نظام عالمي متعدّد الأقطاب يُقام على أنقاض الأحادية القطبية التي تتمسك بها أميركا وتريد فرضها على المعمورة بشتى الوسائل.

بيد انّ روسيا كانت تعرف منذ البدء ماذا تريد وماذا يريد الخصم والعدو، ووضعت لنفسها حدوداً وسقفاً تتحرك ضمنهما واعتمدت لعمليتها الخاصة استراتيجية مناسبة هي “الضغط في الميدان لحمل الخصم على التنازل في السياسة”. أيّ بصيغة أخرى انّ روسيا ومنذ البدء عوّلت على الميدان والتفاوض معاً من أجل بلوغ الأهداف الدفاعية وبالحدّ الأدنى من الأثمان التي تتيح لها تحقيق المُراد، وبذلك تجنّبت الانزلاق غير المقيّد في الوحل الأوكراني، وتجنّبت حرب الاستنزاف التي كانت أميركا ولا تزال تشتهي أن ترى روسيا تغرق فيها. وترجمة لذلك تجنّبت روسيا ٤ مسائل رئيسية:

ـ أولها تجنّب زجّ قسم كبير من قواتها العسكرية في الميدان واكتفت باستعمال ١/١٣ منها فقط للعمل على اتجاهات ثلاثة لكلّ اتجاه منها معنى وطعم وهي: اتجاه الشمال نحو العاصمة واتجاه الوسط نحو الدونباس واتجاه الجنوب نحو شاطئ بحر آزوف والبحر الأسود.

ـ الثاني تجنّبت فيه الدخول الى المدن الكبرى واكتفت بحصارها للضغط فقط، وبذلك تفلتت من معارك الالتحام وحرب الشوارع مع ما فيها من أرجحيّة وقدرة مميزة للمقاومة إذا وجدت منظمة وفاعلة.

ـ الثالث تجنّبت فيه الاندفاع البعيد في العمق غرباً واكتفت بمسك شريط حدودي في الشرق والجنوب بعمق مقبول لا يشكل عبئاً على الوحدات والتشكيلات اللوجستية او يطيل طرق الإمداد.

ـ تجنّبت الانفلاش العسكري ونشر القوى وتبديدها في الميدان، وأفلتت بذلك من مخاطر تقديم جيشها أهدافاً سهلة لحرب من الجيل الرابع الذي كما بات مسلماً به حجم مآسيها على الجيش التقليدي الذي يدفع فيها الأثمان الباهظة.

وفي المقابل قامت روسيا بعمل ميداني ممنهج ومدروس جعلها في موقع مميّز يمكنها من تنفيذ بعض أهدافها بشكل ميداني ومكنها أيضاً من انتاج الضغط المناسب ليأتي بالخصم الى طاولة التفاوض، وقد تمكنت من تحقيق ما يلي:

ـ تمكين قوات جمهوريتي الدونباس (دونيتسك ولوغانسك) من السيطرة على مساحات واسعة من أراضي الإقليم لضمّها الى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومتين اللتين أعلنتا استقلالهما والانفصال عن أوكرانيا وفي هذا تنفيذ ميداني لأحد أهداف العملية المتصل بحماية السكان من أصل روسي من بطش القوات الأوكرانية.

ـ تحطيم القدرات العسكرية للقوات المسلحة الأوكرانية بحيث تمّ اخراج ما يوازي ٧٥ ٪ من هذه القدرات من الخدمة خاصة أسلحة الطيران والدفاع الجوي والمدرعات والبحرية.

ـ تدمير البنية العسكرية التحتية للجيش الاوكراني وقطع طرق إمداده من الغرب بشكل واسع وبنسب عالية.

ـ توجيه ضربة قاصمة للبرنامج البحثي الجرثومي والبيولوجي في المنطقة الشرقية من أوكرانيا والذي تموله وتديره أميركا وهو كما يبدو مخصص للنيل من روسيا ومصالحها الأمنية والدفاعية.

ـ حرمان أوكرانيا من شواطئها على بحر أزوف والبحر الأسود اذ بعد أن تم تحييد بحريتها أحكم الحصار على كامل شواطئها من البحر وبعض البر.

ـ ربط شبه جزيرة القرم بممر برّي وتزويدها بالمياه العذبة بما يؤمن عودتها الى النمط الطبيعي من الحياة، خلافاً لما كان عليه الحال منذ ان ضمتها روسيا اليها في العام ٢٠١٤.

ـ استمرار الحضور المباشر في الميدان وبشكل مناسب للأهداف ما يحول دون تفلت أوكرانيا من القبضة والعين الروسية وما يحول أيضاً دون ضمها الى الناتو لأكثر من اعتبار قانوني نظامي او عسكري ميداني.

على ضوء ما تقدّم وجدت روسيا نفسها أنها وفي اقلّ من ٤٠ يوماً حققت الكثير من الإنجازات العسكرية وحجماً ملائماً من الضغط لحمل أوكرانيا الى طاولة التفاوض، بمعنى ان العملية تكون في الاتجاه الصحيح والمفاعيل المناسبة، ولذلك اتخذ بوتين قراره بتخفيف الوجود العسكري على الاتجاه الشمالي في جبهة كييف، ليس لأنه وجد صعوبة في البقاء أو لأنه واجه مقاومة مزعومة، بل لأنه يلتزم بدقة بقاعدة التناسب والضرورة في الميدان، حيث انه رأى ان لا ضرورة لاستمرار تحمّل أعباء الانتشار والحصار هناك طالما انّ المطلوب من الضغط والتحييد يمكن تحقيقه بوسائل أخرى أقلّ كلفة وعلى اتجاهات أخرى أكثر إنتاجية ومردوداً.

أما على صعيد التفاوض، فإننا نرى بانّ روسيا أفلحت في ضغوطها لحمل أوكرانيا الى طاولة التفاوض أولاً ثم تليين مواقفها استجابة للمطالب الروسية ثانياً، لكن الذي لا يمكن إسقاطه من المشهد هو التدخل الأميركي الذي يمنع زيلينسكي الرئيس الأوكراني من الاستجابة الصادقة والخطية والموافقة على توقيع اتفاقية مع روسيا يلتزم بموجبها بعدم الدخول في الناتو، وبنزع سلاح أوكرانيا وعدم السعي لامتلاك سلاح نوويّ أو نشر أيّ سلاح أجنبي يهدّد أمن روسيا، ثم القبول بالوضع القائم في إقليم الدونباس وشبه جزيرة القرم.

وتكون روسيا في المرحلة الأولى من عمليتها قد استطاعت أن تحقق ميدانياً معظم أهداف العملية، ولذلك انتقلت الى المرحلة الثانية التي سيكون عنوانها الأساسي في الميدان تعهد منجزات المرحلة الأولى مع السعي الي قضم ما تبقى من أرض إقليم الدونباس بيد حكومة كييف ومواصلة الحصار البحري والمراقبة المعمّقة لطرق الإمداد من الغرب مع التلويح الدائم بإمكانية التصعيد والمفاجأة بفتح جبهات جديدة ترهق حكومة كييف وتجبرها في نهاية المطاف على التسليم بما تريد موسكو.

لقد أدركت أميركا التي طالما تمنت هذه الحرب، ان روسيا حققت معظم ما تريد وفرضته بالقوة وأنها تفلتت حتى الآن من حرب الاستنزاف التي شاءت أميركا ان تستدرجها اليها ما يعني انها انتصرت خلافاً لما كان الكثير في الغرب يتوقع، ثم أنها تفلتت الى حدّ كبير من مآسي الحرب الاقتصادية التي شنّت عليها وجعلت من هذه الحرب سيفاً ذا حدّين يجرح أحدهما المصالح الأوروبية بمقدار لا يمكن إغفاله، ولأجل ذلك عادت أميركا الى الأسلوب التقليدي المعهود أيّ الكذب والتلفيق ولهذا أطلقت إشاعات وتلفيقات القتل الجماعيّ في بوتشا من أجل الإساءة الى روسيا وجيشها وحجب نجاحها وحنكتها في إدارة العملية.

لكننا نعتقد انّ الغرب رغم هذا التصرف لن يستطيع ان يذهب بعيداً في استثمار اكاذيبه، فلا هو قادر على استصدار قرار من مجلس الأمن ضدّ روسيا ولا هو بوارد التدخل عسكرياً ضدّها بعد ان قطع بوتين الطريق على من تحدثه نفسه بهذا السلوك ولوّح بالسلاح النووي. لكلّ ذلك يمكن القول بان روسيا التي تستمر في الميدان قوية وفي السياسة والاقتصاد متماسكة، تملك زمام السيطرة على الوضع وتصنف حتى الآن بأنها رابحة بعمليتها، وما التهويل والتفسير والتأويل الملتوي لبعض المسائل الا دليل يأس الغرب من نتائج المواجهة في أوكرانيا التي لن يجني منها حتى الآن الا خسائر ستتمدد الى أمكنة أخرى بعد ان أطاح بوتين بالهيبة الغربية وعطل الفعالية العسكرية للناتو حتى الفضيحة وعرض الدولار الأميركي لمخاطر لا تحدّ.

العميد د. أمين محمد حطيط _ أستاذ جامعيّ ـ باحث استراتيجيّ

البناء

اقرأ أيضا: خلاف تركي – قطري: تهاوش على «الصيْدة» السورية