الجمعة , يوليو 1 2022

هل ستدفعُ سورية ثمنا للصراع الأمريكي الروسي في أوكرانيا؟ وما هو؟

هل ستدفعُ سورية ثمنا للصراع الأمريكي الروسي في أوكرانيا؟ وما هو؟

د. عبد الحميد فجر سلوم
أشرتُ في مقالات سابقة أن الحرب في أوكرانيا ستنعكس فوق الأرض السورية، وأنها ستُسرِّعُ من المخططات الأمريكية في منحِ استقلالية لمنطقة الحكم الذاتي التي تسيطرُ عليها “قوات سورية الديمقراطية” المعروفة اختصارا بـ “قسد” ..
الاعتراض التركي على ذلك يبدو سيتمُّ حلُّهُ .. كيف؟.
في السياسة لا أحدا يُعطي دون أن يأخذ.. ونعرفُ أن تركيا كانت مُعارِضة لانضمام فنلندا والسويد لِحلف الناتو، إذ أنها تتّهم هاتين الدولتين بتأييد حزب العُمال الكردستاني (بي كي كي) واستضافةِ مُعارَضَةٍ كردية تتهمها تركيا بـ (الإرهاب) ..
ولكن ما إن اجتمع وزراء خارجية الناتو في برلين يوم الأحد 15 أيار 2022 (وكان بينهم الأمريكي والتركي) حتى تغيّر الموقف التركي وصرّح وزير خارجية تركيا (مولود تشاووش أوغلو) : (أن تركيا لا تُعارض توسُّع حلف شمال الأطلسي، ولكن من غير الممكن أن تقبل تقديم الدعم للإرهاب.. وأنه على الحلفاء تقديم ضمانات أمنية فيما يتعلقُ بدعم الإرهاب وحزب العمال الكردستاني)..
والسؤال: اين سيتمُّ تقديم هذه الضمانات؟.
الطبيعي أن يكون ذلك في شمال سورية وعلى حساب وحدة الأراضي السورية.. وذلك بالتسريع في عملية “الفدرَلَة” التي تُخطِّط لها أمريكا منذ زمنٍ، ولكن هذه المرة بالتنسيق والاتفاق مع تركيا ذاتها، والتي كانت بالماضي تعارض قيام أي كيان كردي على حدودها.. إلا أنها اليوم قد لا تُعارض، وذلك بقيام أكثر من فيدرالية في الشمال السوري، فيدرالية للأكراد في المناطق التي يسيطرون عليها، وفيدرالية في المناطق التي تسيطر عليها تركيا، في شمال شرق وشمال غرب حلب.. وقد تكون هناك فيدرالية في إدلب(خاضعة لنفوذ تركيا أيضا) أو يمكن ضمُّ إدلب للفيدرالية الثانية، في شمال شرق وغرب حلب.. بعد توحيد كافة القوى المتواجدة على تلك الساحة، كما حكومة المُعارَضة، وحكومة الإنقاذ، وإدماج كافة القوات العسكرية مع بعضها، فيما يُسمّى “الجيش الوطني” الذي كان يُعرفُ سابقا (بالجيش الحر) وأعادت تركيا هيكلتهُ في أيار 2017 تحت عنوان ( الجيش الوطني) .. والمُكوَّن أساسا من معارضَة سورية في غالبيتها تنحدر من أصول تركمانية.. وهو يتبع نظريا للحكومة السورية المؤقّتة (حكومة المعارضَة) ولكن عمليا يتبع لتركيا بكل شيء، حتى في الرواتب والمعاشات والأوامر، عدا عن التسليح والتدريب والتمويل وسواها..
ويُقدَّر عدد أفراده بحوالي 110 آلاف مُقاتل.. حسب مصادر المُعارضَة..
ولا سيما أن تركيا قامت في تشرين أول/أكتوبر 2021 بِدمجِ سبع فصائل مُسلّحة لهذا الجيش ضمن تكتُّل عسكري جديد اسمهُ (تحالُف ثائرون)، ويضمُّ 30 ألف مُقاتل، بهدفِ إنهاء الحالة الفصائلية وضبط الأمن والاستقرار في مناطق المُعارضَة، وتحت راية “الجيش الوطني” وبقيادة موحّدة وغُرفة عمليات موحّدة..
وإن ما قامت فيدرالية بين مناطق “الجيش الوطني” ومناطق إدلب التي تسيطر عليها (هيئة تحرير الشام) أو (النُصرَة سابقا) فسوف يزيد عدد مُقاتلي “الجيش الوطني” بِضمِّ مُقاتلي (هيئة تحرير الشام) الذين يُقدَّر عددهم بثلاثين ألفا، وهناك أرقامٌ تقول أنهم نصف هذا العدد فقط..
**
يبدو أن أمريكا باتت تتّخذ الخطوات الملموسة للفدرَلة في الشمال السوري.. مدفوعةٌ هذه المرّة بالسعي لإرباك الجانب الروسي، وخلقِ واقعٍ جديد على الساحة السورية لا يكونُ لروسيا فيه أي دور.. ومُستغلّةً انشغال روسيا في أوكرانيا.. وضعفُ التأثير الرسمي من جانب دمشق في سيرِ الأحداث..
فالولايات المتحدة وبعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أرسلت وفدا كبيرا إلى شمال سورية، والتقى في 16 آذار 2022 بقائد قوات سورية الديمقراطية في مقرِّهِ بالقامشلي، وضمّ الوفد نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية إيثن غولدريتش، ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون العراق جينفير جافيتو، ومديرة ملف سوريا والعراق في مجلس الأمن القومي زهرة بيل، وممثل الخارجية الأمريكية في شمال وشرق سوريا ماثيو بيرل، وهذا تعزيزٌ للدعم الأمريكي لقوات سورية الديمقراطية في اتجاه الفَدرَلة..

وفي مشروع الموازنة للعام القادم 2023 الذي قدّمهُ الرئيس بايدن للكونغرس يوم الاثنين 28 آذار 2022 تمّ تخصيص مبلغ 542 مليون دولار من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لبرنامج (تدريب وتجهيز) الجيش العراقي، وقوات سورية الديمقراطية..

وكانت الإدارة الأميركية قد خصصت في ميزانية هذا العام 2022 مبلغ 500 مليون دولار لبرنامج التدريب والتجهيز المذكور، منها 177 مليون دولار لدعم قوات سورية الديمقراطية..
**
وفي تطورٍّ جديد، واستثناءٌ من عقوبات قانون قيصر، أعلنت الخارجية الأمريكية يوم الأربعاء 11 آذار 2022 ، عن سماح الولايات المتحدة ببعض الاستثمارات الأجنبية للشركات الخاصة، ويشمل الترخيص العام(رقم 22 ) مناطق مُحدّدة في كلٍّ من محافظات حلب والرقّة ودير الزور والحسكة..
وأشار أحد المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية، أن “استثمار القطاع الخاص في هذه المناطق سيساعد في تقليل احتمال عودة تنظيم الدولة، من خلال التصدّي للظروف اليائسة التي تسمحُ بتجنيدِ الجماعات الإرهابية وشبَكةُ دعمها”.. طبعا هذه هي المُبرِّرات الظاهرية..
وأضاف المصدر أن “هناك اهتماماً من الشركات الخاصة، بما في ذلك تلك التي تعمل في دولٍ جارةٍ لسوريا”.. لكنه لم يذكر أسماء هذه الشركات أو الدول التي تعمل فيها، موضحاً أن واشنطن “تجري مشاورات مع تركيا وحلفاء آخرين بشأن هذه الخطوة”.
ومن هذا الكلام يُفهَم أن هذه الشركات ستكون في غالبيتها تركية، وأمريكية تعملُ في العراق، وكُردستان العراق،.. وهذا ما يُغري تركيا..
وأما القطاعات التي سيشملها الترخيص، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، فهي 12 قطّاع، في مجالات الزراعة والاتصالات والبنية التحتية (ماء وكهرباء ونفايات)، والبناء والطاقة النظيفة والتمويل والنقل والتخزين، إضافة إلى قطاعات الخدمات الصحية والتعليم والتصنيع والتجارة..
وأشارت وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن الترخيص لا يسمح بأي معاملات تُشارك فيها الحكومة السورية أو أي شخصٍ مقرّبٍ منها..
وكل هذا سوف يُمهِّد لقيام كيان فيدرالي كامل ومُكتمل ومنفصل في تلك المناطق..
**
وتجدرُ الإشارة هنا أن موسكو سبق وطرحت الفيدرالية في سورية على لسان نائب وزير الخارجية سيرجي ريابكوف في أواخر شباط 2016، خلال مؤتمر صحفي، وقال فيه حرفيا: (نأمل ان يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية الى فكرة انشاء جمهورية فيدرالية) ..
وأضاف: (استبعدُ تطور الاحداث في سورية وفق سيناريو كوسوفو، ولا بُدّ من وضع معايير مُحدّدة للهيكلية السياسية في سورية في المستقبل تعتمد على الحفاظ على وحدة اراضي البلاد بما في ذلك انشاء جمهورية فيدرالية خلال المفاوضات)..
هذا الكلام كان في أواخر شباط عام 2016، كما اشرتُ، فهل ما زالت موسكو تُفكِّر بذلك؟.
**
بكل الأحوال إيجاد صيغةٍ للحُكم في سورية تُعطي للمحافظات سُلطات واسعة، تُمكِّنها من انتخاب مجلس المحافظة بشكلٍ ديمقراطيٍ وحرٍّ ويكون بمثابة البرلمان الذي يختار المُحافِظ ويُشرِف على عملهِ ويُحاسبهُ، ويُشرِف على كافة دوائر ومناطق المُحافظة، ويضعُ السياسات التنموية والاجتماعية، هو فكرةٌ جديرةٌ بالدراسة..
فهذه تُخفِّف الأعباء عن العاصمة، وتُسهِّلُ من عملية مكافحة الفساد، وتحدُّ منهُ، وتُخفِّفُ من الروتين والبيروقراطية في اتخذا القرارات، وتُسرِّعُ من خُطط التنمية والتطوير..
ولكن لا يجوز لهكذا هيكلية أن تكون نوعا من التقسيم، فهناك فرقٌ كبيرٌ بين الأمرين..
أي لا تقوم على أساس عِرقي أو طائفي أو ديني، وإنما على أساس وطني.. فلا تكون هناك كردستان في شمال سورية، ولا تتميز منطقة لأن غالبيتها من هذا العرق أو من هذا الدين، أو غير ذلك.. تبقى ذات المحافظات السورية بحدودها الحالية، مع كافة تنوعاتها الطائفية والدينية والعرقية، وجميع أبناء المحافظة يشاركون في انتخاب برلمانها.. وكل ذلك يكون تحت سيادة الدولة السورية الواحدة وعاصمتها دمشق التي تبقى مسؤولة عن رسم السياسة الخارجية الواحدة، والسياسة الدفاعية الواحدة..
هذا معمولٌ به في غالبية دول العالم.. في ألمانيا، وأمريكا، وكندا، والبرازيل، والأرجنتين، وروسيا، والهند، وباكستان، وحتى في دولة الإمارات العربية المتحدة.. الخ.. وهذا يُسمّى بالفيدرالية الدستورية..
ويُمكن تسميتهِ بأي صيغة أخرى..
المُهم أن لا يكون هناك تقسيم، كما اشرتُ أعلاه..
ومن هنا الخشية من الخطوات الأمريكية في أن تكون مقدِّمة لانفصال الشمال السوري، شرقا وغربا، لِمجاراة انفصال إقليم “دونباس” في شرق أوكرانيا..
وهكذا تدفعُ سورية ثمن الصراع الروسي الأمريكي..
**
وختاما، لا أعرف إن كان هذا هو الزمن الجميل فعلا لسورية، من خلال الحرب الدائرة في أوكرانيا، كما قال أحد المسؤولين،
أم هو إعادةُ تكوينِ نظامٍ دوليٍ جديدٍ، تكون سورية فيه هي الرابح على المستوى الإقليمي، كما تكون روسيا هي الرابح على المستوى العالمي، وذلك بحسبِ مسؤولٍ آخرٍ ..
وهُم ينطلقون من افتراض أن روسيا ستحسم الوضع في أوكرانيا لمصلحتها، وسوف تفرض شروطها، وأن الغرب سيستجيب.. بينما ما نراهُ هو مزيدا من تحدِّ الغرب لروسيا، وذلك بالترحيب بضمِّ فنلندة والسويد لعضوية الناتو، غير آبهين بالتهديدات الروسية.. وفي هذا توسيع ساحة الصراع مع روسيا، وزيادة إشغالها، في محيطها الجغرافي..
واتساعُ رقعة الميدان لا أعتقدُ أنهُ يخدم روسيا، من الناحية العسكرية..
**
اليوم روسيا والغرب في حالة “كسر عظم” .. ويُعتقَد أن الغرب لن يسمح لروسيا بأي شكلٍ بتحطيم النظام السياسي الغربي الذي تشكّل على مدى أكثر من 300 عام، بعد اتفاق ويستفاليا عام 1648 وبعد حروبٍ داميةٍ، وتطوّرَ إلى هذا المستوى المتقدم جدا من قيم الحرية والديمقراطية البرلمانية، والليبرالية، وحقوق الإنسان، ومفهوم الدولة العصرية والحديثة القائمة على حُكم القانون والمؤسسات وفصل السُلطات وتداوُل السُلطة عبر صناديق الاقتراع.. فموسكو لا تُخفي عدائها لليبرالية الغربية ونمط الحُكم فيها.. وتعتبرها تحدٍّ للقيم القومية والأرثوذكسية الروسية المتحالفتين اليوم مع بعضهما..
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا هبّت شعوب الغرب، وليس حكوماتها فقط، في وجه العملية العسكرية في أوكرانيا.. فهُم فهومها من هذه الباب.. وأنها تهديدا لأنظمةِ وشكل الحُكمِ في بُلدانهم..
ومن خلال الفهم للعالم الغربي، فإن القيم التي تمّت الإشارة إليها آنفا، هي دينهم ومذهبهم وعقيدتهم.. فهُم ليسوا متأثرين بالدين المسيحي، كما تاُثُّر الشعب الروسي بـ (الأرثوذكسية)، فتلك القيم هي عقيدتهم، فهل من السهل أن تقول للروسي عليك أن تُغيِّر عقيدتك؟. أم للمُسلِم عليك أن تُغيِّر عقيدتك؟. سوف يقاتل بكل إمكاناته لأجل عقيدتهِ، وهكذا هو حالُ الغرب اليوم، بحسبِ الكثير من التحليلات.. عقيدتهم هي تلك القيم..
لا بُدّ أخيرا من حل وسط.. فهذا يخدم روسيا ويخدم الغرب.. ويخدم العالم.. لأنهُ لا يمكن لأي طرف أن يحقق ما يصبو إليه..
ومن خلال المُتابَعة تبدو موسكو أكثرُ ليونة مما كانت عليه مع بدأ العملية العسكرية في 24 شباط 2022 .. ولم تعُد تطرح ذات الشروط، بل أن موسكو أعلنت مؤخّرا أنها لا تُمانع من حيث المبدأ لقاء الرئيس بوتين مع نظيره الأوكراني..
نأمل أن تضع هذا الحرب أوزارها لأنها انعكست على كل شعوب العالم..

رأي اليوم