الثلاثاء , أكتوبر 4 2022

تردّد تركي في سوريا: الخوف من إيران… لا من روسيا!

تردّد تركي في سوريا: الخوف من إيران… لا من روسيا!

محمد نور الدين

يبدو أن حسابات الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، لا تزال تؤخّر إطلاق العملية العسكرية الخامسة في سوريا، والتي تَكثر الإشارات إلى أنّ منبج وتل رفعت ستكونان مسرحها الرئيس، لما تشكِّلانه مِن أهمية بالنسبة إلى أنقرة، ولِكَون احتلالهما سيعني ربط منطقتَي «درع الفرات» و«نبع السلام». وفي ظلّ الحديث المتكرّر عن «موافقة ضمنية روسية» على العملية، يربطها الباحثون الأتراك بحاجة موسكو إلى حليفتها أنقرة، يُقلق هؤلاء موقفُ إيران المعارض للهجوم، وسط توقّعات تُشير إلى أن طهران لن تكتفي بالاعتراض عن طريق الأدوات الديبلوماسية، على رغم أنّ «أيّ حرب إيرانية – تركية غير مباشرة، لن تكون في مصلحة طهران»، كما يقولون

لا تزال المعلومات حول عزم الجيش التركي شنَّ عملية عسكرية في منبج وتل رفعت السوريتَين، متناقضة. فبينما تتحدّث أوساط حزب «العدالة والتنمية» عن «موافقة روسية ضمنيّة» على العملية، تقول صحيفة «يني شفق» الموالية للحزب الحاكم، إن «القوى المعادية» تَجمع أوراقها في سوريا لمنْع تركيا من تنفيذ تهديداتها، مشيرةً إلى تعزيزات عسكرية أميركية وروسية وأخرى من جانب الجيش السوري، فضلاً عن تسليم «قوات سوريا الديموقراطية» بعضَ مراكزها للأخير، وهو ما يؤشّر إلى احتمال إرجاء العملية إلى وقت أكثر ملاءمة. من جهتها، لا تزال المعارضة التركية متشكّكة إزاء أهداف الهجوم، الذي يرى زعيم «حزب الشعب الجمهوري»، كمال كيليتشدار أوغلو، أنّ الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، يريد توظيفه «خدمةً لمصالحه الشخصية».
ويكتب الباحث في العلاقات الدولية، محمد علي غولر، في صحيفة «جمهورييات»، أن إردوغان حدَّد هدفين للعملية: «تنظيف المنطقة من الإرهاب (الكردي)، وإعادة اللاجئين إلى مناطق آمنة». إلّا أنّ «تدخُّل الجيش التركي من دون اتفاق مع الحكومة السورية، حوّل المنطقة إلى ساحة نفوذ للجيش السوري الحرّ، ولم يقطع بالكامل الكوريدور الكردي. وفي حال تدخَّلت تركيا مجدّداً، فهي ستكتفي بتوسيع نطاق نفوذها وتضييق الشريط الكردي المتبقّي، من دون إلغائه، لأن ذلك غير ممكن من دون الاتفاق مع دمشق، وعودة الجيش السوري للسيطرة على أراضيه وحدوده»، بحسب غولر. ويرى الباحث أن إعادة اللاجئين السوريين عبر إقامة 13 منطقة لهم في شمال سوريا، «يتعارض مع وحدة سوريا، ويهدّد بتفتيت البلاد»، مضيفاً أن اشتغال حكومة «العدالة والتنمية» على «إنشاء 13 مجلس إدارة هناك، وتعيين إداريين لها، وفتح كليّات تابعة لجامعة غازي عينتاب، وتشريع استخدام الليرة التركية وغير ذلك الكثير، يُعبّر عن الهدف الأصلي للحزب الحاكم».

تشكّل منبج وتل رفعت حاجزَ قطع بين منطقتَي «درع الفرات» و«نبع السلام»

في المقابل، يقول الباحث في شؤون العراق وسوريا، سرهاد أركمين، إنّ التهديدات الكردية لتركيا لم تتوقّف بعد عملية «نبع السلام». ولذا، فهو يَعتبر، في حوار مع صحيفة «جمهورييات»، أن منبج وتل رفعت تشكّلان أهميّة كبيرة لتركيا، بعدما كانتا مصدراً لعمليات القصف على عفرين، فضلاً عن كونهما حاجزَ قطع بين منطقتَي «درع الفرات» و«نبع السلام»، وهو ما يجعلهما «مسرح العمليات الرئيسة للجيش التركي». وعن موقف القوى الفاعلة على الأرض، يعتقد أركمين أنّ روسيا لن تكون «غير راضية» عن الهجوم، مستدركاً بأن الحديث عن «دعم كامل» من قِبَلها للعملية «مُبالَغ فيه». أمّا إخلاء «قسد» للمدينتَين ورفع العلم السوري فيهما، فمتروك لظروف المواجهة المحتملة، في حين أن دمشق «من أكثر الأطراف سعياً إلى ملء الفراغ الروسي، كونه سيشكّل انتصاراً لها». وبخصوص الموقف الأميركي، يرى الباحث أنه «طالما أن العملية المحتملة لن تشمل عين العرب ومنطقة القامشلي وجوارهما، فإن ردّة الفعل الأميركية ستكون محدودة جداً، فيما سيكتفي الاتحاد الأوروبي بإصدار بيانات تنديد». لكن أركمين يلفت إلى أهمية الموقف الإيراني، إذ أعربت طهران، حتى الآن، عن معارضتها الهجوم، فيما هناك «شكوك بأنها ستكتفي بالمعارضة، إذ إنها تسعى إلى ملء الفراغ في المناطق التي ستنسحب منها روسيا. وتريد أن تبلغ المعنيّين بأنها عامل مؤثّر في المشهد السوري». لذلك، فإن إيران، برأي أركمين، ستكون من العوامل «غير المساعدة»، كونها «لن تكتفي بالمساعي الديبلوماسية لحلّ المشكلة، ولن يكون مفاجئاً إذا وجدنا الميليشيات الموالية لها في مواجهة الجيش التركي». وبحسب الباحث، فإن مدّة العملية ستكون قصيرة، لأن المناطق المستهدَفة محدودة، إلّا إذا وسّعت تركيا نطاقها، متوقّعاً أن ينهي الهجوم «التهديد الكردي من تل رفعت على عفرين، ويربط منطقتَي عمليات درع الفرات بنبع السلام، ما يجعله خطوة لكسر البنية التحية لأيّ مشروع دولة سيُقام لاحقاً في شمال شرق سوريا».
في الإطار نفسه، يرى الكاتب سليمان سيفي أوزغون، في «يني شفق»، أن إيران كان لها الصوت الأعلى من بين الجميع في معارضة العملية التركية، قائلاً: «لقد شهدنا تصريحات معتدلة من جانب روسيا، وربّما يعني هذا موافقة على العملية، فيما أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من اختلال التوازن. أمّا أوروبا، فهي عاجزة ومرتبكة بسبب الحرب في أوكرانيا، لذا لا يرتفع صوتها تجاه تركيا هذه الأيام». ويَعتبر أوزغون أن روسيا، وعلى خلفية الحرب في أوكرانيا، «ضعفت إلى حدٍّ كبير، فيما تبقى تركيا متنفّسها في المنطقة». ومن هنا، ستبذل موسكو جهداً كبيراً من أجل الحفاظ على أنقرة حليفةً، بل إنها لن تتردّد في اختيار تركيا، إذا خيّروها بينها وبين إيران. ووفق الكاتب، لن تُغامر روسيا «بضرب علاقاتها مع إسرائيل عبر الانحياز إلى إيران في سوريا. ففي حال فرّطت موسكو بعلاقاتها مع تل أبيب، يمكن لإسرائيل شنّ حملة عسكرية في الجنوب السوري، ربّما تشمل لبنان. وتصبح إيران، في حينه، بين فكَّي الكماشة التركية والإسرائيلية». ويَخلص أوزغون إلى أن «أفضل ما يمكن أن تفعله إيران هو النأي بنفسها عن العملية التركية، وعدم المضيّ في تشكيل تحالف بين الحشد الشعبي وحزب العمال الكردستاني»، محذّراً من أن «أيّ حرب إيرانية – تركية غير مباشرة، لن تكون في مصلحة طهران». كما يتحدّث عن احتمال إرسال إيران وفداً إلى تركيا «ليس لمعارضة العملية التركية، بل للبحث عن أفضل الطرق أيضاً للحدّ من خسائر الجمهورية الإسلامية في سوريا».
من جهته، يربط حسين ليك أوغلو، في صحيفة «يني شفق»، التطوّرات في سوريا بما هو أبعد من اعتراض تركي على انضمام السويد وفنلندا إلى «حلف شمال الأطلسي»، إذ يرى أن أنقرة لا تعلّق أهمية على مجرّد ضمّ هذَين البلدَين إلى «الناتو»، بقدر ما تعير أهمية لأمنها القومي، متسائلاً عن السبب الذي يجعل الكونغرس الأميركي يصفّق، أخيراً، 37 مرّة لخطاب رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، أمامه: «هل قال إنه سيوقف روسيا في أوكرانيا؟ أم ماذا؟ لقد تحدّث 37 مرّة ضدّ تركيا تحديداً. كان خطاباً معادياً لتركيا وقابله الكونغرس بحفاوة بالغة. المسألة ليست مرتبطة بعلاقة تركيا بكلٍّ من السويد وفنلندا، بل بالأمن القومي التركي عموماً». ويختم ليك أوغلو مقالته بالقول إن «العملية العسكرية التركية الخامسة في سوريا ستشكّل فرصة ممتازة ليُظهر حلفاؤنا في الأطلسي تفهّمهم لمخاوفنا الأمنية».

الأخبار