الأحد , سبتمبر 25 2022
إمارة موناكو.. ما قد لا تعرفه عن ملاذ الأثرياء

إمارة موناكو.. ما قد لا تعرفه عن ملاذ الأثرياء وعاصمة «الفورميلا وان» والقمار!

ما الذي يأتي في ذهنك عند سماع اسم إمارة موناكو؟ إنها مدينة فرنسية على البحر المتوسط، أو ربما المدينة الفرنسية الشهيرة التي يقام سباق سيارات «الفورميلا وان» كل عام، أليس كذلك؟ نعم تقع موناكو على البحر المتوسط، ويقام بها سباق «الفورميلا وان» سنويًّا، ولكنها ليست مدينة فرنسية!

موناكو دولة ذات سيادة ودستور مستقل، وتعد عاصمة لأثرياء العالم؛ إذ تتوفر بها أشهر صالات القمار وأفخم المنتجعات السياحية، وكل ذلك رغم مساحتها الصغيرة جدًّا والتى تصل إلى كيلومترين مربعين، فكيف ذلك؟ هذا ما سنعرفه في السطور القادمة، من خلال التعمق في تاريخ الإمارة الصغيرة جدًّا.

إمارة موناكو المستقلة: أقدم عائلة حاكمة في تاريخ أوروبا

تطل إمارة موناكو بالكامل على البحر المتوسط، وتبعد ثمانية كيلومترات عن فرنسا و15 كيلومترًا من الحدود الإيطالية، وعرفت بكونها ميناء مهمًّا للإغريق والرومان والفينيقيين وغيرهم، وهي شبه حصن بفعل الطبيعة، إذ إنها عبارة عن قمة جبلية تطل على البحر المتوسط، وعثر بها على دلائل وجود مستوطنات بشرية منذ العصر الحجري تحفظ حاليًّا في المتحف الطبيعي بالإمارة.

Embed from Getty Images

سيطر الليغوريون على موناكو منذ وقت قديم وهم شعب عريق من جنوب إيطاليا، بدأوا في تشييد حصن على قمة صخرة موناكو بهدف تحويلها إلى معقل وحصن عسكري، وأنشأ الليغوريون مستوطنة حول قاعدة الصخرة لدعم الحصن، ولجذب السكان من جنوة والمدن المجاورة الأخرى، وعرض منح الأراضي والإعفاءات الضريبية للوافدين الجدد، مما أدى إلى توافد بعض العائلات للإمارة الصغيرة.

ونجحت عائلة وافدة من مدينة جنوة الإيطالية تدعى عائلة «جريمالدي» عام 1297 في السيطرة على المدينة الصغيرة وتحويلها لإمارة خاصة لديها، لتصبح أقدم عائلة مالكة في أوروبا كلها، فقد حكمت الإمارة لمدة 725 عامًا متواصلين حتى وقتنا الحالى.

وظلت الأوضاع غير مستقرة بين فرنسا و«آل جريمالدي» أمراء موناكو لفترات طويلة، وجرى إبرام عدة اتفاقيات على مدار سنوات طويلة للفصل بين البلدين، وجرى الاعتراف بالإمارة دولةً صديقة مستقلة لأول مرة من قبل الملك تشارلز الثامن ملك فرنسا عام 1489، بعد قرنين تقريبًا من استيلاء «فرانسوا جريمالدي» على القلعة الموجودة أعلى صخرة موناكو، ولكن ليس لوقت طويل، فقد سقطت الحماية الفرنسية عن الإمارة، وفُرضت عليها الحماية الإسبانية منذ عام 1524 وحتى عام 1641، حين جرى التوقيع على معاهدة تمنح موناكو الحماية الفرنسية مرة أخرى، كما أكدت سيادة الإمارة على استقلالها وحقوقها وامتيازاتها.

Embed from Getty Images

وعندما قامت الثورة الفرنسية عام 1793 جرد النظام الثوري الفرنسي أمراء موناكو من ممتلكاتهم، وضمَّ الإمارة إلى فرنسا، ولكن بعد سقوط نابليون الأول عام 1814، عاد «آل جريمالدي» إلى الحكم، وأبرمت معاهدة جديدة تحت اسم مؤتمر فيينا عام 1815 تنص على استقلال الإمارة وسيادتها وأنها تحت حماية فرنسا.

وفي عام 1861 أعلنت الحكومتان عن معاهدة جديدة، سميت معاهدة فرانكو موناكو تنص على تسليم قطع أراضي لفرنسا مقابل بعض المال للإمارة الصغيرة إلى جانب إعلان الاستقلال التام، والدفاع المشترك الذي يلزم الجيش الفرنسى بالدفاع عن الإمارة وحمايتها، بالإضافة إلى قيام اتحاد جمركي مشترك بين البلدين عام 1865، وهكذا تمكن «آل جريمالدي» من حكم الإمارة لمئات السنين ليصبحوا أقدم بيت حاكم في القارة العجوز في وقتنا الحالي.

ثاني أصغر دولة في العالم ومعقل سباقات السيارات العالمية

حصدت الإمارة الصغيرة شهرة عالمية، ونجحت في استقطاب ما يقارب المليوني سائح سنويًّا، فهيا بنا نتعرف إلى السياحة في الإمارة، فموناكو هي ثاني أصغر دولة في العالم بعد الفاتيكان، إذ تبلغ مساحتها كيلومترين مربعين فقط، ولذا تصنف موناكو أيضًا أكبر دولة في العالم في معدل الكثافة السكانية بعدد 19 ألف مواطن للكيلومتر مربع، ولجأت الإمارة أخيرًا إلى التوسع وبناء المشروعات السكنية في البحر لتعويض أزمة المساحة والسكن.

Embed from Getty Images

وتتمتع الإمارة بأعلى نسبة للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، وأعلى متوسط عمر متوقع في العالم للجنسين 85.6 سنوات للرجال و93.5 سنوات للنساء، ومتوسط ​​عمر متوقع عند الولادة 89.4 سنوات.

وتعتمد موناكو في الدخل على عائدات المنتجعات السياحية الفخمة المطلة على البحر المتوسط وصالات القمار المعروفة داخل كازينو «دي مونت كارلو» الشهير في منطقة مونت كارلو، ورغم ذلك يمنع القانون مواطني الإمارة من دخول صالات القمار، التي تقتصر على السائحين.

وتمتلك الإمارة أكبر وجود شرطي في العالم على أساس عدد السكان ومساحة المنطقة، إذ تضم 515 شرطيًّا لكل 38 ألف شخص في بلد تبلغ مساحته 2.02 كيلومتر مربع، كما تتمتع بأدنى معدلات الجريمة في العالم أيضًا، فهناك جريمة قتل واحدة كل عشر سنوات تقريبًا.

وعلى الرغم من أن تعداد سكان الإمارة يبلغ 38 ألف مواطن، فإن خُمس سكانها فقط هم من السكان الأصليين، والباقية مجموعات من الرعايا تحمل جنسية موناكو، وأكبر مجموعة منهم هم من الرعايا الفرنسيين بنسبة 28.4%، يليهم سكان الإمارة الأصليين بنسبة 21.6%، ثم مجموعة الرعايا الإيطاليين ونسبتهم 18.7%، وبعض الرعايا من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وسويسرا وبلجيكا وألمانيا لا تتعدى نسب أي منهم 10%.

ونظام الحكم في الإمارة ملكي دستوري، وتتمتع الإمارة بالسيادة الكاملة في السياسة الداخلية والخارجية، واللغة الرسمية فيها هي الفرنسية ولغة موناكو المحلية، والعملة الرسمية هي اليورو، وهي عضو في الأمم المتحدة، ولديها سفير دائم في الاتحاد الأوروبي رغم أنها ليست عضوًا فيه.

تستقبل الإمارة العشرات من الأحداث السنوية الشهيرة في مجالات رياضة السيارات والقفز الاستعراضي والحفلات الموسيقية وكرة القدم وكرة السلة وحتى ألعاب القوى العالمية، والتي تؤدي إلى إرتفاع زيارات وإيرادات المدينة كل عام، ومن أشهر الأحداث الدولية السنوية في الإمارة، سباق السيارات الشهير «الفورميلا وان».

كما تقام فيها بطولة العالم للراليات، وبطولة العالم لقفز الحواجز، وحفلات الموسيقيين المشهورين من جميع أنحاء العالم والذين يقدمون عروضهم إما في منتدى جريمالدي وإما في مواقع أخرى مختلفة مثل قصر الأمير وساحة الكازينو وبورت هرقل، وهناك أيضًا أسبوع موناكو لليخوت الكلاسيكية معرض موناكو الدولي لليخوت الفخمة.

موناكو: دولة المليونيرات والملاذ الآمن لأصحاب الثروات الطائلة

يوصف كل 35 شخصًا ما بين كل 100 شخص في الإمارة بأنهم مليونيرات، ورغم ذلك لا تفرض الإمارة أي ضريبة على الدخل للأفراد أو الشركات، وتعتمد في ميزانيتها على ربح القمار والسياحة في الدرجة الأولى وهو كافٍ جدًّا، ولذلك تشتهر الإمارة بكونها جنة وملاذ الأثرياء، والمكان المثالي للتهرب الضريبي وغسيل الأموال.

دائمًا ما تعقدت الأمور بين فرنسا وحكومة الإمارة بسبب سياسة عدم فرض الضرائب على سكان الإمارة، حتى وقعت أزمة كبيرة عام 1962 أجبرت حكومة الإمارة على تعديل القانون وفرضت الضرائب على سكانها من أصول فرنسية فقط دون باقي السكان، كما جرى فرض ضرائب على شركات موناكو التي تمارس أكثر من 25% من أعمالها خارج الإمارة.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، انتقدت بعض الدول الأوروبية اللوائح المصرفية والضريبية الفضفاضة في الإمارة، متهمة الحكومة أن الإمارة تحمي المتهربين من الضرائب ومجرمي غسيل الأموال، وعلى أثره أضافت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية (OECD) عام 2002، الإمارة إلى القائمة السوداء للملاذات الضريبية غير المتعاونة، والتي جرت إزالتها عام 2009 بعد إجراء بعض التعديلات من أجل الالتزام بمعايير الشفافية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتنعم الإمارة حاليًّا بوضع هادئ، فهي بلد صغير جدًّا، يقطنه أصحاب الملايين، وتحكمه أقدم عائلة ملكية في أوروبا، ويقصده ملايين الزوار سنويًّا من حول العالم، للعب القمار والاسترخاء على شواطئ البحر المتوسط الجميلة.

ساسة بوست

اقرأ أيضا: تجربة عجيبة.. هل سمعتم بتجربة “الكون 25”