الأحد , ديسمبر 4 2022

عقدة سوريا

عقدة سوريا

نبيه البرجي

لا يختلف بني غانتس، وهو يخوض رهانه الانتخابي كرئيس مقبل للحكومة عن بنيامين نتنياهو أو عن يائير لابيد ونفتالي بيليد، في وصف ايران بـ «رأس الأفعى»، لكنه من أصحاب نظرية «دعوا شياطين جهنم في جهنم»، أو «لا توقظوا الأرواح الشريرة»، والتركيز على سوريا كحلقة وسيطة بين آيات الله وحزب الله !

هل سيبقى هكذا اذا تمكن من الوصول الى رئاسة الحكومة، وهو من يرى اليهود الأرثوذكس أنه أدار ظهره ليهوه حين التحق بدعاة القول في صلاة الذكرى العسكرية Yiskor) ) « لنتذكر أمة اسرائيل» (Yiskor Am yisrael ) بدل «لنتذكر الرب « (Yiskor Elohim ) .

الذريعة أن سوريا محطة عبور الأسلحة من ايران الى الحزب . الكلام الذي تردد على مدى السنوات المنصرمة، وترافق مع الغارات على نقاط سورية حيوية، بما في ذلك مطار دمشق وأخيراً مطار حلب، أثبت لا جدواه حين أخفق في الحيلولة دون حزب الله، وبناء أرمادا صاروخية هائلة (بما تعنيه الكلمة)، بامكانها تدمير مفاعل ديمونا في النقب، وكذلك القواعد الجوية والمنشآت الحيوية في «اسرائيل»، بعدما تم ارساء معادلة توازن الرعب مع القوة التي لا تقهر، وقد قهرت في لبنان .

انها عقدة سوريا في اللاوعي، وفي الوعي «الاسرائيلي»، بل وفي اللاوعي والوعي اليهودي . الملياردير النيويوركي شلدون ادلسون، ذكّر أثناء زيارة للدولة العبرية بالكلام التوراتي حول «ذئاب الشمال» . وكان «الحاخام» عوفاديا يوسف يحذر من أن «يهبطوا كما الصخور المجنحة لتدمير الروح الكامنة في حجارة الهيكل» .

وكانت خطة مناحيم بيغن أن يرغم الرئيس حافظ الأسد على الالتحاق (وسيراً على الأقدام) بأنور السادات والملك حسين (لاحقاً بياسر عرفات)، في توقيع معاهدة سلام مع «اسرائيل»، بعدما رأت غولدا مئير في دمشق، التي دعت عليها التوراة بالخراب «المدينة التي تضرم النيران في رؤوس العرب». (ذكرت المدينة 67 مرة في التوراة).

غداً قد تكشف الوثائق أي دور اضطلعت به جماعة «الاخوان المسلمين» في محاولة تنفيذ ما خطط له بيغن، قبل أن ترغمه المقاومة اللبنانية على أن يلتف ببطانية الصوف بانتظار ساعة الرحيل .

خلال استيلاء «الاخوان» على السلطة في مصر، عقدت لقاءات بين قياديين مصريين وسوريين في الجماعة ومسؤولين «اسرائيليين» في عاصمة خليجية . وكانت نظرة القياديين السوريين أن الرئيس بشار الأسد لا يمكن أن يكون بحنكة أبيه، وبصلابة ابيه، وبتجربة أبيه (وبأعصاب أبيه)، حتى اذا ما وقفت «اسرائيل معنا» عقب وقوف تركيا، يمكن تقويض النظام في غضون أيام …

لم يسقط بشار الأسد، ولم تسقط سوريا، ليتفرق «الاخوان» أيدي سبأ . لكن العقدة «الاسرائيلية» حيال سوريا لا تزال في أوجها . ليس صحيحاً أن الدافع انتخابي فقط للغارات المتلاحقة . ثمة سياسات ضاربة في العمق، وترمي الى تفكيك الجغرافيا السورية، اذا لاحظنا دور اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة في ادارة المسار الخاص بفرض العقوبات على سوريا. اغتيال اقتصادي (اغتيال الدولة)، واغتيال معنوي، بعد فشل محاولات الاغتيال العسكري.

سوريا الجريحة، وهي تلملم آلامها، تظهر مدى الهيستيريا الايديولوجية (الهيستيريا الاسبارطية) في العقل «الاسرائيلي». هل ترمي الغارات حقاً، الى قطع الطريق على السلاح الذي لم تعد هناك من حاجة اليه؟ أم الى ابقاء سوريا رهينة وضعها الراهن بأبعاده اليومية الضاغطة؟

« الاسرائيليون» الذي غالباً ما يلجؤون الى البروباغندا الغبية (لكنها بروباغندا الذئاب)، يعلمون أن سوريا لا يمكن أن تكون قاعدة ايرانية، ولن تكون بالتاريخ الفذ وبالتراث الفذ تابعة لأي كان.

كل هذا يستتتبع السؤال أين هي ايران التي لم تتوقف يوماً عن قرع الطبول؟ وأين هي روسيا التي تدرك مدى حساسية الموقع الجيوستراتيجي السوري لخاصرتها الجنوبية، لوقف الجنون «الاسرائيلي» بانتظار أن تخرج سوريا من غرفة العناية المكثفة؟

حتى وان قيل إن هذا الجنون يدور في حلقة مفرغة. هناك استنزاف سيكولوجي ومادي هائل، وقد يكون الآتي أشد هولاً. في هذه الحال … من يدور في الحلقة المفرغة؟

الديار