الثلاثاء , سبتمبر 27 2022
لماذا يؤمن الروس بأنهم سينتصرون على الغرب في أوكرانيا

حتى لو “انتهى” العالم.. لماذا يؤمن الروس بأنهم سينتصرون على الغرب في أوكرانيا؟ 3 أسباب أبرزها بوتين

رغم الاختراق المفاجئ الذي حققته أوكرانيا مؤخراً في خاركيف، لا يزال الروس مؤمنين تماماً بأنهم سينتصرون على الغرب بنهاية الحرب، فما أسباب تلك الثقة في استراتيجية فلاديمير بوتين؟

كانت القوات الأوكرانية قد حققت، خلال الأسابيع الأولى من سبتمبر/أيلول، ما يمكن وصفه بانتصارها الأول منذ بداية الهجوم الروسي قبل 7 أشهر، وذلك عندما أجبرت القوات الروسية على الانسحاب من منطقة خاركيف في الشرق.

فولوديمير زيلينسكي، الرئيس الأوكراني قام، الأربعاء، 14 سبتمبر/أيلول، بزيارة مفاجئة إلى مدينة إيزيوم في خاركيف، وهي المدينة التي كانت تمثل المعقل الرئيسي لروسيا في المنطقة، وأشرف زيلينسكي على رفع العلم الأوكراني أمام مبنى مجلس البلدية المتفحم تماماً.

جاء ذلك بعد أن حققت القوات الأوكرانية اختراقاً في صفوف القوات الروسية من خلال هجوم مضاد خاطف منذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، وتوغلت في أراضٍ كانت القوات الروسية تسيطر عليها منذ بدايات الحرب، التي اندلعت يوم 24 فبراير/شباط الماضي.

الهجوم الأوكراني أجبر القوات الروسية على الانسحاب من منطقة خاركيف في شمال شرق أوكرانيا، مخلفة وراءها عتاداً عسكرياً ضخماً، في مؤشر على أن الانسحاب جاء مباغتاً ودون خطة، وهي المرة الأولى منذ بداية الهجوم، الذي تصفه موسكو بأنه عملية عسكرية خاصة، بينما يصفه الغرب بأنه غزو، التي تجبر فيها روسيا على الانسحاب من أراضٍ أوكرانية استولت عليها.

الوقت.. في صالح روسيا

لكن على الرغم من تلك الانتكاسة الميدانية في ساحة المعركة، لا يزال الروس مؤمنين تماماً بأنهم سيحققون الانتصار على الغرب بنهاية الحرب الأوكرانية، بحسب تقرير لموقع Vox الأمريكي عنوانه “الروس يؤمنون بانتصارهم في الحرب”. ويأتي على رأس أسباب هذا الإيمان كون الغرب يعيش حالة من التراجع، بحسب وجهة النظر الروسية.

والحديث عن الغرب هنا يُقصد به الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، أو بشكل عام حلف الناتو. إذ إن روسيا لا تحارب أوكرانيا فقط في ساحة المعركة، وإلا لكانت الأمور قد حُسمت خلال أيام أو أسابيع على أقصى تقدير، نظراً للفارق الهائل بين الجيش الروسي ونظيره الأوكراني، من حيث العدد والعتاد.

فالجيش الروسي مصنف، من حيث القوة النيرانية، في المركز الثاني عالمياً، بعد الجيش الأمريكي، بينما يأتي الجيش الأوكراني في المركز الثاني والعشرين عالمياً. الحرب الأوكرانية إذا تعتبر مواجهة بين روسيا والغرب، الذي يقدم دعماً عسكرياً غير مسبوق ولا محدود للقوات الأوكرانية، إضافة للدعم الاستخباراتي والتدريب، وهذا الدعم الغربي بالأساس هو ما مكن الأوكرانيون من تحقيق ذلك الاختراق في خاركيف واستعادة مساحة كبيرة من الأراضي كانت تسيطر عليها القوات الروسية.

لكن على الرغم من العقوبات الغربية على روسيا والدعم العسكري اللامحدود لأوكرانيا، يراهن الروس على عامل الوقت كي يفتر الحماس الغربي وينخفض الدعم لأوكرانيا، خصوصاً في ظل معاناة اقتصادات الدول الغربية من التضخم بفعل الارتفاعات القياسية في أسعار النفط والغاز.

روسيا تحقق إيرادات ضخمة بسبب ارتفاع أسعار الوقود – رويترز

وبعد مرور 7 أشهر من الحرب، والعقوبات الغربية على موسكو، لا تزال روسيا متماسكة اقتصادياً وعسكرياً وحتى سياسياً، بينما تعصف الأزمات بأبرز أعدائها في أوكرانيا. ففي بريطانيا، استقال بوريس جونسون لتحل محله ليز تراس، وفي إيطاليا أيضاً استقال رئيس الوزراء ماريو دراغي، بينما خسر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أغلبيته البرلمانية رغم فوزه بفترة رئاسية ثانية.

أما في الولايات المتحدة، فيواجه جو بايدن شبح خسارة حزبه الديمقراطي الأغلبية في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والسبب الأبرز لتراجع شعبية ساكن البيت الأبيض هو التضخم وارتفاع الأسعار، بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز. ولم تنجح مساعي بايدن للهروب إلى الأمام، من خلال التصعيد في أوكرانيا، في رفع شعبيته كما كان يأمل.

ومع اقتراب فصل الشتاء، تواجه دول الاتحاد الأوروبي شبح مخيف يتمثل في عدم توفير بدائل كافية للغاز الروسي وهو ما ينذر بكارثة على المدى القصير. أي أن عامل الوقت يلعب لصالح الروس، وهو ما يمثل أحد أهم أسباب إيمانهم بالانتصار في حرب يرونها وجودية في مواجهة الغرب.

الغرب ليس في أقوى حالاته

أما السبب الثاني وراء ثقة الروس في الانتصار في الحرب الأوكرانية في نهاية المطاف فيتعلق بحالة الغرب بشكل عام. وهنا يمكن تلخيص وجهة النظر الروسية والغربية بشأن الحرب في أن الرئيس فلاديمير بوتين يرى أن الغرب يريد استخدام أوكرانيا كنقطة ارتكاز لغزو وتدمير روسيا، بينما يرى الغرب أن الهجوم على أوكرانيا ليس له سبب سوى “جنون العظمة لدى القيصر”.

ويجادل بوتين بأن الغرب يهدف إلى استخدام أوكرانيا كنقطة انطلاق لغزو روسيا وتدميرها، وبذلك صوَّر الهجوم على أوكرانيا على أنه ضربةٌ استباقية ضد العدوان الغربي ومعركةٌ حاسمة لحماية سيطرة الإمبراطورية الروسية الشرعية على شرق أوروبا، بحسب تقرير سابق لصحيفة New York Times الأمريكية عنوانه “شرح حجج بوتين للهجوم على أوكرانيا”.

ويرى كثير من السياسيين والمحللين والمسؤولين الروس أن الغرب يمر بمرحلة ضعف وتراجع، وليس في أفضل أحواله، فحلف الناتو ليس على قلب رجل واحد، كما أن الاتحاد الأوروبي نفسه منقسم بشأن القضية الأوكرانية من الأساس.

فعلى سبيل المثال، لا تتفق تركيا، ثاني أقوى دولة عسكريا في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، مع التصنيف الغربي للحرب في أوكرانيا، كما أن دولاً أخرى مثل اليونان لا تشارك في عملية إرسال دعم عسكري لأوكرانيا. فرنسا وإيطاليا أيضاً لا تشاركان في عملية الدعم العسكري بنفس قدر الدعم اللفظي لكييف.

المستشار الألماني مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين

ويمكن القول إن واشنطن ولندن هما الأكثر “سخاء” في تقديم الدعم لأوكرانيا، ومعهما دول مثل بولندا، لكن حتى ألمانيا تواجه انتقادات بسبب رفضها إرسال أسلحة معينة تمتلكها وتطلبها حكومة زيلينسكي، وبخاصة الدبابات.

يضاف إلى ذلك التذمر الشعبي المتزايد داخل الدول الغربية بسبب الارتفاع الجنوني في تكلفة المعيشة، ومن المتوقع أن يتحول هذا التذمر إلى احتجاجات واسعة خلال فصل الشتاء، خصوصا في معظم دول الاتحاد الأوروبي، في حال استمرت أزمة الطاقة في الضغط على الناس وفشلت الحكومات الغربية في توفير ما يكفي لتدفئة المنازل خلال الشتاء المميت.

وكانت عواصم أوروبية، منها باريس نفسها، قد شهدت احتجاجات بالفعل بسبب ضغط تكاليف المعيشة واختفاء بعض السلع، وهو ما يجعل الروس واثقين أكثر من أن هؤلاء المواطنين سيضغطون على حكوماتهم للتوصل إلى حلول تنهي الحرب في أوكرانيا، مما يقوي موقف موسكو بشكل عام.

الصين.. ورقة روسيا الرابحة

أما السبب الثالث وراء ثقة الروس في انتصارهم في نهاية المطاف على الغرب في أوكرانيا فيتمثل في الصين، التي يرى بوتين ورجاله وغالبية الروس بطبيعة الحال أنها “الحصان الأسود” و”طوق النجاة” في معركة موسكو الحاسمة ضد الغرب والنظام العالمي الذي تقوده واشنطن وترفضه بكين أيضاً.

موقف الصين الداعم لروسيا لا يحتاج للتفسير، فمنذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب أعلنت بكين رفضها للتوصيف الغربي، أي الغزو، وتبنت التوصيف الروسي، أي “العملية العسكرية الخاصة”، وألقى الصينيون على الغرب بالمسؤولية كاملة في اندلاع القتال في أوكرانيا لتجاهل القادة الغربيين “المخاوف الروسية المشروعة” فيما يتعلق بأمنها القومي.

ويرى الروس أن الصين ستهب لنجدتهم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، إذا ما لزم الأمر، فالرئيس شي جين بينغ لن يسمح للغرب بتحقيق الانتصار على حليفه “وصديقه” بوتين، لأن ذلك ببساطة سيضعف موقف بكين في مواجهة واشنطن، التي أصبحت تعتبر التنين “العدو” الأول لها في ساحة الصراع على زعامة العالم.

فالسياسة الأمريكية تجاه الصين بدأت في التحول بصورة لافتة، من التعاون واعتبار بكين مدخلاً إلى آسيا في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، إلى اعتبارها منافساً يجب أن يُعمل له ألف حساب، ثم عدو وتهديد وجودي، خلال رئاسة دونالد ترامب والآن جو بايدن.

ويعكس هذا التحول الأوضاع الداخلية في كل من بكين وواشنطن، فالصين تحت رئاسة شي جين بينغ ترى أولاً أن الوقت قد حان لإعادة توحيد تايوان مع الصين الأم، وثانياً أن النظام العالمي الحالي قد حان وقت رحيله، ليبدأ نظام عالمي جديد تأخذ فيه الصين حقها كقوة عظمى.

زعيما الصين وروسيا

وبالتالي أصبح هناك إجماع داخل أروقة السياسة في واشنطن على أن الصين تمثل العدو الأول لأمريكا، وهو ما يعني أن تصريح بايدن الأخير بشأن إرسال الجنود الأمريكيين للدفاع عن تايوان في حال أقدمت الصين على “غزو” الجزيرة بالقوة، ليس “زلة لسان”، وإنما تغيير جذري في سياسة أمريكا القائمة على “الغموض الاستراتيجي”.

وفي هذا السياق، من الطبيعي أن يعول الروس على الصينيين للوقوف بجانبهم في وجه الغرب، إذا ما اقتضت مجريات الحرب الأوكرانية ذلك.

لكن هناك أمر آخر وراء الثقة المطلقة لدى الروس في الانتصار على الغرب، وهو أمر لا يقل أهمية عن الأسباب الثلاث، ويتمثل في الاستعداد المعلن لبوتين وقادة جيشه ودائرته الحاكمة في اللجوء للسلاح النووي، سواء لاستخدامه على نطاق محدود أو بشكل شامل، إذا ما اقتضت الأمور ذلك.

فمنذ الأيام الأولى للحرب، أمر بوتين بوضع الترسانة النووية لروسيا في حالة “التأهب القصوى”، والآن مع إعلان بدء الاستفتاءات في مدن لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوروجيا للانضمام رسمياً إلى الاتحاد الروسي، ينص الدستور على استخدام الأسلحة النووية في حال تعرضت “أراض روسيا” لتهديد وجودي، سواء بالأسلحة التقليدية أو النووية، وهي رسالة واضحة ومباشرة للغرب، في أعقاب ما حققته القوات الأوكرانية من انتصارات ميدانية.

الخلاصة هنا هي أن إيمان الروس بالانتصار على الغرب في أوكرانيا له أسباب تنبع بالأساس من الثقة في إمكاناتهم العسكرية والاقتصادية من جهة، ومن جهة أخرى لاقتناعهم بأن الغرب يريد تدمير بلادهم وإعادتها إلى ما كانت عليه في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وهو ما لن يسمح به بوتين تحديداً، حتى لو اندلعت حرب نهاية العالم.

اقرأ أيضا: أرضاً وجواً.. القوات الأمريكية في سورية تتعرض لـ”ضغوط روسية متزايدة”