الإثنين , ديسمبر 5 2022
‏الانفتاح التركي على دمشق.. مطلب روسي وحاجة تركية

‏الانفتاح التركي على دمشق.. مطلب روسي وحاجة تركية

‏الانفتاح التركي على دمشق.. مطلب روسي وحاجة تركية

شهدت العلاقات السورية التركية في الآونة الأخيرة بداية انفراج عده البعض مفاجئاً، لكنه، ومن الناحية العملية والسياسية، لم يحمل أي مفاجآت، انطلاقاً من أن السياسة لا يحكمها إلا مبدأ واحد هو المصلحة. والمصلحة مفهوم متغير متبدل؛ فمن الناحية النظرية، تعرف بأنها “الأمن القومي للدولة”، لكنها من الناحية العملية تذهب باتجاهات أخرى غير وطنية (حزبية وشخصية وانتخابية).

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التغير في الموقف التركي من سوريا، الذي لم يكن جديداً، لكنه أصبح في الآونة الأخيرة مطلباً تركياً أكثر من كونه سورياً؛ فالعام القادم سيشهد انتخابات رئاسية وبرلمانية في تركيا، بالتزامن مع الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد، ‏فقد فقدت الليرة التركية نحو 90% من قيمتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ‏وتجاوز التضخم 80%.

لقد كان الاقتصاد التركي في المرتبة الـ17 عالمياً عند وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، وكان إردوغان قد وعد ناخبيه بأن تصبح تركيا في المرتبة ‏العاشرة اقتصادياً في العام 2023، أي في الذكرى المئوية ‏لتأسيس الجمهورية، وهذا لم ولن يتحقق.

كما أنّ هناك مزاجاً شعبياً تركياً تغذيه المعارضة، يعتبر أنَّ اللاجئين السوريين سبب رئيسي من أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. لذا، ظهرت مطالبات كثيرة بضرورة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهو ما تتبناه المعارضة.

ولعلَّ ورقة إعادة اللاجئين السوريين هي الورقة الأقوى انتخابياً بيد المعارضة، والتي يريد الرئيس إردوغان التقاطها وتجريدهم منها قبل فوات الأوان، فقد أصبح يتبنى فكرة إعادة اللاجئين السوريين، وهو الشيء الذي لطالما نادت به المعارضة، ما جعل موقفه هذا بمنزلة اعتراف بخطأ سياسي وسوء تقدير كان قد اقترفه وحزبه، حين تبنى فكرة إسقاط الدولة السورية، وعمل على دعم بعض الجماعات المتطرفة، لتكون الحاكم المستقبلي لسوريا.

لكنَّ هذا الحلم تلاشى مع دخول روسيا على خطّ الأزمة السورية في أيلول/سبتمبر 2015 وتبنّيها فكرة بقاء الدولة وحماية مؤسساتها، وهو ما أدركه إردوغان جيداً، فلم تعد فكرة تغيير النظام واردة منطقياً وواقعياً بعد ذلك التاريخ.

لذا، تغيرت المقاربة التركية تجاه الملف السوري كاملة، ‏وأصبح اهتمام أنقرة منصباً على حماية أمنها القومي وحماية حدودها، وخصوصاً مع صعود تنظيم “داعش”، وإعلان الولايات المتحدة وتبنّيها دعم قوات سوريا الديمقراطية بذريعة قتال “داعش”، وهو ما أحدث تباعداً في المواقف بين الولايات المتحدة وتركيا، ‏إذ ترى أنقرة أنَّ قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ليست سوى فرع من ‏فروع حزب العمال الكردستاني الإرهابي، وفقاً لتصنيفها.

وبعد العملية الانقلابية الفاشلة التي حدثت في تركيا في حزيران/يونيو 2016، ونتيجة للموقف الروسي الداعم لإردوغان، حدث ‏أول تفاهم روسي تركي في الملف السوري. وفي آب/أغسطس 2016، نفَّذت أنقرة عملية “درع الفرات”، وهي أولى العمليات العسكرية التركية داخل الأراضي السورية، وكان الهدف منها دعم فصائل “المعارضة السورية” لطرد مقاتلي تنظيم “داعش” من ريفي حلب الشمالي والشرقي.

ولم يكن بمقدور تركيا الدخول في مثلث ‏جرابلس والباب وأعزاز من دون التنسيق مع موسكو آنذاك. وفي كانون الأول/ديسمبر 2016، جرى الاتفاق على انسحاب بعض الفصائل المسلحة من شرق حلب.

وعام 2017، قامت روسيا بتزويد أنقرة بصواريخ “إس 400″، ثم أصبحت تركيا ضامناً في منصة أستانا السورية إلى جانب روسيا وإيران. وهنا، بدا واضحاً أن أهداف تركيا في سوريا اختلفت، وأن فكرة إسقاط النظام أصبحت من الماضي، وأصبح سقف الطموحات التركية هو مشاركة بعض الفصائل الموالية لها في العملية السياسية المستقبلية في سوريا.

الأهداف الروسية

لروسيا مصلحة كبيرة في التقارب التركي مع دمشق، وخصوصاً بعد الحرب الأوكرانية وتطوراتها، إذ تسعى موسكو لاستمالة أنقرة أو تحييدها على أقل تقدير، فتركيا دولة في حلف الناتو المعادي لروسيا، وهي تملك ثاني أكبر جيش في هذا الحلف، ولها علاقات اقتصادية مع روسيا، إذ يزيد حجم التبادل التجاري بين تركيا وموسكو على 30 مليار دولار.

وقد أدّت أنقرة دوراً داعماً لأوكرانيا في بداية الحرب، وزوَّدت الجيش الأوكراني بمسيّرات بيرقدار المتطوّرة جداً التي تسببت بخسائر كبيرة للجيش الروسي، وكان لها دور في توسع حلف الناتو بعدما وافقت على انضمام فنلندا والسويد إليه.

كما أنَّ موسكو تدعم بقاء الرئيس إردوغان في الحكم، وتسعى لمساعدته انتخابياً عبر حلّ مشكلة اللاجئين السوريين، وتدعم موقفه من قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً. وفي ظلِّ العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، أصبحت أنقرة الرئة التي يتنفس الاقتصاد الروسي منها. لذا، سهّلت موسكو اتفاق الحبوب الذي وقع في إسطنبول في 22 تموز/يوليو، والذي تم بوساطة تركية ورعاية أممية بعد أكثر من 4 أشهر من المفاوضات.

الموقف السوري

هناك قراءتان للموقف السوري من التقارب مع أنقرة؛ الأولى سطحية تفترض أن حلفاء دمشق باتوا يسيطرون على قرارها السياسي ويقررون نيابة عنها، وهي قراءة تفتقر كثيراً إلى فهم الواقع وإدراك أبعاده وخباياه، وسوف أورد أدلة وقرائن على هذا فيما بعد.

أما القراءة الأخرى، فهي الأقرب إلى الواقع والمنطق، وهي تتلخّص بفكرة أنَّ دمشق، ورغم حاجتها إلى الحلفاء في حربها، ورغم التنسيق الكبير بينها وبينهم، حافظت على مسافة تحفظ سيادة قرارها السياسي، ما جعلها محطّ انتقاد من حلفائها في كثير من الأحيان.

كما أنَّها انتقدت بعض مواقف حلفائها، وبشكل علني أحياناً، عبر كتابات وتصريحات لبعض المسؤولين المقربين إلى السلطة والمحسوبين عليها، وخصوصاً فيما يتعلق بالصمت الروسي على الاعتداءات الإسرائيلية على دمشق.

وهنا، نشير أيضاً إلى أنَّه لو كان بإمكان حلفاء دمشق (موسكو) أن يقرروا بدلاً منها، لتم الاتفاق بين الرئيسين بوتين وإردوغان وانتهينا، ولما كان إردوغان وباقي المسؤولين الأتراك أعلنوا دعوة دمشق للحوار معهم. وكما قيل وأعلن أنَّ الرئيس بوتين كان قد نصح إردوغان بالبدء بحوار مع دمشق، لأنَّ ذلك سيسهم في تعزيز قوته وحظوظه في الانتخابات المقبلة. وقد تكون النصيحة نفسها لدمشق، لكنَّ الروس لا يخفون انزعاجهم من بعض المواقف السورية التي يعبرون عنها لزائريهم من المعارضين السوريين، كما يعبرون عنها عبر الانتقادات القاسية أحياناً ضد دمشق، والتي تصدر عن مقربين إلى الكرملين ودوائر صنع القرار الروسية وتتناقلها وسائل الإعلام الروسية.

كما أن بعض المعارضين السوريين المحسوبين على موسكو، والذين يعيشون فيها، لم تستطع حتى الآن فرضهم في أي من المواقع الحكومية السورية. كما نجحت دمشق في اللعب على تناقضات حلفائها والاستفادة منها بما يخدم مصلحتها الوطنية.

وفي العودة إلى الموقف السوري من الانعطافة التركية نحوها، فإن دمشق، ورغم حاجتها لإنهاء أزمتها والبدء بعملية إعادة الإعمار واستعادة الأمن والأمان على كامل الأرض السورية، فإنّها في الوقت نفسه لا تبدو متحمسة كثيراً لإعادة العلاقات مع حزب العدالة والتنمية الذي لن يستطيع أن يقدم لها أكثر مما ستقدمه المعارضة التركية فيما لو وصلت إلى الحكم.

كما أنَّها وضعت شروطاً أقرب إلى الثوابت والمبادئ التي لا يمكن التنازل عنها للشروع في الحوار مع تركيا، ليست أقل من انسحاب الجيش التركي من كامل الأراضي السورية، وهو مطلب يبدو أن لا أحد يستطيع ثنيها عنه، لأنه يشكل أبسط حقوق السيادة وسياسة حسن الجوار.

أما الدعوات التركية إلى إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، فهو حلم بعيد المنال، كما أنَّ تهديداتها المتكررة باجتياح سوريا كانت لها نتائج عكسية، إذ تسببت بجعل قوات سوريا الديمقراطية تقترب أكثر من الحكومة السورية، وكذلك حصلت على المزيد من الدعم والتسليح الأميركي.

كذلك، إنَّ التقارب مع أنقرة لا يحلّ كثيراً من الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه سوريا. وبالتالي، ليست هناك مغريات اقتصادية مرجوة من هذا التقارب في المدى المنظور على أقل تقدير، وهناك قطيعة نفسية تشكلت بين الشعب السوري والرئيس إردوغان، فلا يمكن لأحد تخيّل وجوده في دمشق مثلاً بعد كل ما فعله من أجل تدمير هذا البلد، ومن غير الممكن السماح له بالصلاة في الجامع الأموي بعدما كان حلمه في يوم من الأيام أن يؤم المصلين فيه. ولا يمكن لمدينة حلب أن تستضيفه بعدما أصبح اسمه المتعارف فيها “لص حلب”…

على الصعيد الرسمي، أبدى الرئيس السوري بشار الأسد علانية عدم رغبته في مصافحة إردوغان في يوم من الأيام، وتمنى أن لا تقتضي منه مصلحة سورية أن يقوم بذلك؛ فدمشق ترى أن التقارب مع تركيا، فيما لو حصل، سيشكل قارب النجاة لإردوغان. لذلك، فهي ليست في عجلة من أمرها، ولا تريد أن تؤدي هذا الدور بكلِّ تأكيد، إلا إذا كان هناك مقابل يمكنها الحصول عليه، ولا يستطيع منافسوه أن يقدموه لها.

وبالتالي، فإنَّ مستقبل العلاقات بين البلدين مرهون باعتبارات ذاتية، وبتطورات المشهد الدولي، ومدى قدرة تركيا على الاستمرار في القفز من مكان إلى آخر، وتغيير المواقف والسياسات، وكذلك مرهون بمستقبل العلاقات التركية مع الولايات المتحدة، وخصوصاً أن الثبات على المبادئ هو آخر ما يمكننا توقعه من الرئيس التركي وحزبه الحاكم.

شاهر الشاهر-الميادين

اقرأ ايضاً:تركيا تحذر الائتلاف المعارض