الجمعة , يونيو 5 2020

إردوغان والحرب ضد كورونا.. سوريا في الواجهة

إردوغان والحرب ضد كورونا.. سوريا في الواجهة

لم يتعرض إردوغان لهجوم عنيف من أحزاب المعارضة فحسب، بل أيضاً من مئات الآلاف من المواطنين الذين استغربوا أسلوبه، واعتبروه استفزازاً لهم.

لما يبالِ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بالانتقادات العنيفة التي تعرض لها، وما زال، بسبب تأخّره في اتخاذ الإجراءات الفعالة لمنع انتشار فيروس كورونا، إذ رفض الإعلان عن منع التجول المفروض في معظم دول العالم، وتجاهل مطالب المواطنين بالإعلان عن إجراءات اقتصادية ومالية عاجلة تساعدهم للبقاء على قيد الحياة، وخصوصاً أولئك الّذين كانوا يتَّكلون على دخلهم اليومي، وباتوا عاطلين من العمل.

وجاءت المفاجأة الكبرى من إردوغان عندما ظهر ليلة الإثنين الماضي على شاشة التلفاز، ليتحدث “عن الوحدة الوطنية والتضامن الأخوي وقت الضيق” وغيره من الكلام العاطفي، داعياً الأتراك إلى المشاركة في حملة التبرع التي أطلقها، وقال إنه “ساهم فيها بسبعة أشهر من راتبه”.

ولم يتعرض إردوغان لهجوم عنيف من أحزاب المعارضة فحسب، بل أيضاً من مئات الآلاف من المواطنين الذين استغربوا أسلوبه، واعتبروه استفزازاً لهم، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، وأشار البعض إلى أهمية رقم 7 في القرآن الكريم وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقالوا “إن إردوغان الذي تبرع بسبعة أشهر من راتبه”، إنما أراد أن يبعث رسالة دينية لأتباعه، وهو الأدرى بمعناها!

وقد أمر رئاسة الشؤون الدينية، وهي بمثابة وزارة الأوقاف، بإطلاق حملة تبرع مماثلة، فأفتت “بضرورة المساهمة في حملات التبرع عبر الزكاة المفروضة على كل مسلم”.

وكانت المفاجأة الكبرى عندما منع إردوغان رئيسي بلدية إسطنبول وأنقرة، وهما من المعارضة، من جمع التبرعات لمساعدة الفقراء، وهو ما دفع المواطنين إلى اتهامه “بجمع التبرعات لحسابه الشخصي، بعد أن زادت ميزانية القصر الجمهوري، وعدد غرفه 1100، على المليارات”، بحسب كلام زعيمة الحزب “الجيد”، مارال أكشانار. ولا يعلم أحد بمصير هذه المليارات، وخصوصاً بعد أن عيّن صهره برات ألبايراك وزيراً للمالية والخزانة، وأحد أصدقائه رئيساً للمصرف المركزي، وكان يقول عن سلفه إنه لا ينفّذ تعليماته.

واتهمت أحزاب المعارضة الرئيس إردوغان “بسرقة أموال الشعب التي كانت موجودة في صندوق الادخار الخاص بالزلزال الكبير الذي ضرب تركيا في العام 1999″، إذ جمعت الدولة بعد ذلك التاريخ المليارات من الدولارات عبر التبرع أو الضرائب، ومنها 25% من مجموع قيمة الاتصالات الخليوية خلال السنوات العشرين الماضية.

كما تستفسر المعارضة عن مصير 70 مليار دولار، قيمة العشرات من مؤسسات القطاع الحكومي، كالمصانع والسدود والموانئ التي خصخصتها الحكومة، بما فيها مصنع الدبابات الذي باعه إردوغان لصديقه الأمير القطري تميم، وسط انتقادات عنيفة جداً من زعيم الشعب الجمهوري كليجدار أوغلو.

وعادت سوريا من جديد إلى الواجهة في هذه القضية، إذ حمّلت المعارضة والإعلام والمواطنون الرئيس إردوغان مسؤولية الواقع المالي السيئ، لأنه يقول إن تركيا صرفت على اللاجئين السوريين حتى الآن بين 40 و50 مليار دولار.

وقال زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، “إن هذه المبالغ ستكون كافية لمساعدة كل من سيواجه خطر البطالة خلال الأزمة الحالية والمحتملة، في حال إفلاس الآلاف من الشركات والمحال التجارية في عموم البلاد”.

واعتبر كليجدار أوغلو أن “المشكلة السورية والتورط التركي فيها هما السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها تركيا منذ ما قبل فيروس كورونا”.

ويقول عبد اللطيف شنار، وهو أحد مؤسّسي حزب العدالة والتنمية الحاكم، ووزير سابق في حكومة إردوغان قبل أن يستقيل في العام 2007، “إن إردوغان غير مبالٍ بمعاناة الشعب، بقدر اهتمامه بحساباته الشخصية المالية والسياسية والعقائدية، أي الإخوانية”.

وناشد شنار الرئيس إردوغان “لسحب الجيش التركي من الشمال السوري”، وقال: “إن ميزانية التواجد التركي في هذه المناطق عسكرياً وإدارياً وخدماتياً، ستساعد تركيا على تجاوز الانعكاسات السلبية المحتملة لأزمة كورونا، والتي من المتوقع أن تستمر حتى نهاية العام الجاري على الأقل”.

وأشار العديد من الجنرالات المتقاعدين “إلى العلاقة العضوية بين مسلحي ما يُسمى الجيش السوري الوطني، وعددهم حوالى 50 ألفاً، والجيش التركي الذي يدربهم ويسلّحهم ويموّلهم ويدفع رواتبهم”.

كما أشاروا إلى “أنّ هذا المصروف المالي الكبير أثقل كاهل ميزانية الدولة التركية التي زادت أعباؤها بسبب ما تقدّمه أنقرة للفصائل الموالية لها في ليبيا، والعشائر السنية الموالية لها في العراق، وأحزاب ومجموعات مقربة من تركيا في دول عربية وإسلامية أخرى، من مثل فلسطين ولبنان والصومال وموريتانيا وجيبوتي وتونس وغيرها”.

واستغلَّت المعارضة حملة تبرعات إردوغان لتحاسبه على كل أفعاله، بما في ذلك “تبنّيه كل الأحزاب والحركات والجماعات والأشخاص المقربين منه في جميع أنحاء العالم، وبالتالي تقديم كل أنواع الدعم المالي لهم، فضلاً عن بناء الجوامع في العديد من دول البلقان وأفريقيا”.

وقد اعتقد إردوغان بعد ما يُسمى بـ”الربيع العربي”، والقول للجنرال المتقاعد حلمي صولماز تورك، “أن كل ذلك سيساعده على تحقيق أهدافه في إحياء ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية، وهو ما دفعه إلى تنظيم مئات المؤتمرات والندوات والفعاليات في إسطنبول خلال السنوات القليلة الماضية، والتي دُعي إليها الآلاف من محبيه، ويقيم منهم أيضاً في إسطنبول الآلاف من الهاربين من الدول العربية، وخصوصاً مصر”.

وكان لذلك تكاليفه المالية الضخمة التي تعد أحد أسباب الأزمة المالية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد خلال العامين الماضيين، فقد وصلت الديون الخارجية إلى 460 مليار دولار، ووصلت البطالة إلى 14%، والتضخّم الحقيقي إلى 40% خلال العام الماضي، مع تراجع مستمر في قيمة الليرة التركية.

واعتبر زعيم الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، “أن كل ذلك له هدف واحد، وهو الصلاة في الجامع الأموي”، كما فعل السلطان سليم الذي دخل سوريا بعد معركة مرج دابق في 24 آب/أغسطس 1516.

ولكن لم تمنع انتقادات المعارضة الرئيس إردوغان من السير قدماً في مشروعه العقائدي، وإلا لما دافع دفاعاً مستميتاً عن إدلب، ولما تحدّى العالم في ليبيا، ولما فكّر في مخطّطات مماثلة في العراق، فهو يعي جيداً أن الشعب التركي دفع ثمن ذلك غالياً، ويريد له أن يدفع المزيد “على طريق الجهاد”، متحجّجاً هذه المرة بفيروس كورونا، لا بالتضامن الأخوي الإسلامي مع السوريين، والقول هنا لوزير العمل الأسبق، يشار آوكيان، الذي دعاه “إلى تخصيص قصره لعلاج المصابين بهذا المرض”. وقال: “لو باع إردوغان 12 طائرة من طائراته الخاصَّة، وعددها 13 طائرة، وتوقف عن بناء القصور الجديدة، لما فكّر في حملة التبرعات التي لن تجدي، بسبب وضع الأغلبية العظمى للشعب. هذا إذا تجاهلنا رجال الأعمال المقربين منه، الذين حققوا أرباحاً خيالية بفضل هذه العلاقة، وهم الآن يتهربون من الضرائب بتبرعهم إرضاءً لإردوغان”.

في ظل هذا المشهد لا يغيب الأمن والقضاء عن ملاحقة كل من انتقد حملة التبرعات إعلامياً أو في شبكات التواصل الاجتماعي. وقد انضمّ إلى هؤلاء رئيس الوزراء السابق، أحمد داوود أوغلو، إذ قال: “جميع دول العالم وحكوماتها تساعد مواطنيها، وإردوغان الوحيد الذي يطلب من المواطنين مساعدته!”.

“النصرة” أم “حراس الدين” ضحية التفاهم الروسي التركي؟