ماذا لم يصل حزب البعث للحكم في سوريا؟

في صباح الثامن من آذار/مارس عام 1963، لم تكن الشوارع المحيطة بمبنى أركان الجيش في دمشق تدري أن خطى عدد قليل من الضباط الاستثنائيين ستُعيد رسم جغرافيا الشام وصياغة مستقبل الشرق الأوسط بأكمله.

لكن، ماذا لو تعثرت تلك الخطوة؟

ماذا لو فشل الانقلاب وظلت الدولة السورية تتحرك ضمن مسارها البرلماني والتعددي الذي استهلته بعد الاستقلال؟

التاريخ البديل ليس مجرد تسلية فكرية، بل هو عدسة تفكك البنية العميقة للواقع.

للوصول إلى تحليل واقعي ومتوافق مع الحقائق العلمية والتاريخية، يجب أن نبتعد عن المثالية المفرطة وعن السوداوية المطبقة.

اقتصاد السوق والتعددية الحزبية

قبل عام 1963، كانت سوريا تعيش تجربة ديمقراطية هشة ولكنها شديدة الحيوية، تتسم بوجود صافة حرة واقتصاد تجاري متين اعتمد على البرجوازية المدنية في حلب ودمشق.

لو استمر هذا المسار دون سيطرة اللجنة العسكرية لحزب البعث، لكان المشهد الاقتصادي والسياسي يتجه نحو:

تجنب التأميم الراديكالي: التأميم الواسع للشركات والمصانع الذي جرى في ستينيات القرن الماضي أدّى إلى هجرة رؤوس الأموال والعقول.

بدون هذه الإجراءات، كانت سوريا لتحافظ على مركزها كمركز مالي وتجاري في المشرق العربي، شبيه بالتجربة اللبنانية أو التايلاندية من حيث النمو الصناعي والتجاري.

التداول السلمي للسلطة: صحيح أن الانقلابات كانت سمة الخمسينيات، إلا أن مؤسسات الدولة المدنية والقضاء كانا يمتلكان القدرة على الاستعادة والتصحيح.

غياب حكم الحزب الواحد كان سيعزز الممارسة البرلمانية وتطور الأحزاب السياسية التقليدية كالكتلة الوطنية وحزب الشعب.

الجيش والمؤسسة العسكرية

تحول الجيش السوري بعد 1963 من مؤسسة وطنية متعددة الأطياف إلى عقيدة حزبية مغلقة. في التاريخ البديل:

المحافظة على مهنية الجيش: استمرار البنية الاحترافية للجيش كان سيمنع عقيدة التسييس والتصفية الداخلية التي طالت كبار الضباط التكنوقراط.

توازن القوى الإقليمي: ربما كان الأداء العسكري في حرب 1967 مختلفاً من حيث الجاهزية والتنسيق الفعلي، أو ربما كانت الدولة ستتخذ مسارات دبلوماسية أشد حذراً تمنع وقوع المأساة العسكرية التي أدت لخسارة الجولان.

البنية الاجتماعية والتنوع

لم تكن سوريا قبل البعث خالية من التوترات الاجتماعية أو الطبقية، بل كان التفاوت بين المدينة والريف يزداد عمقاً.

لكن الآلية التي اتبعها البعث لمعالجة هذا التفاوت اعتمدت على إزاحة طبقة لحساب أخرى عبر سلطة الأجهزة الأمنية.

بدون البعث، كان التطور الاجتماعي سيأخذ مساراً أكثر بطئاً وتراكمياً، عبر التعليم واقتصاد السوق بدلاً من التغيير القسري.

لمزيد من القراءة حول التاريخ السياسي والاقتصادي لسوريا خلال تلك الفترة المفصلية، يمكنك مراجعة وثائق موسوعة بريتانيكا حول تاريخ سوريا الحديث.

إن دراسة هذا السيناريو لا تهدف إلى رثاء الماضي، بل إلى فهم كيف تشكل المؤسسات والقوانين وجه الدول، وكيف يمكن لحدث واحد في لحظة فارقة أن يغير مصير أمة برمتها.

عن سامر الخاني

محرر وباحث مهتم بالعلوم والتاريخ, أعمل على إعداد وتحرير مقالات "ماذا لو" بأسلوب علمي ومبسط يستند إلى المصادر الموثوقة.